نوفمبر 08، 2009

«أرابيكا»: المواطنة الإلكترونية والعقاب

ملاحظة: تمت كتابة هذا المقال بين ليلة الجمعة و السبت صباحا و تم نشره اليوم الاحد في "العرب" القطرية... و تم في السبت صباحا إلحاق خبر اطلاق سراح فاطمة و ارساله من جديد (من المفروض يجب ارسال المقال قبل 24 ساعة على الاقل لتحضيره للنشر و لكن وقع إعادة تصحيحه رغم وصوله متأخرا)... يجب القول أيضا أنه ليس من الواضح بعد إن تم أيقاف نهائي للبحث مع فاطمة... يبقى اذا الموضوع في حاجة لليقظة... كما أنه فرصة للحديث عن الموضوع الشائك المتعلق بـ"الجريمة الالكترونية" و علاقتها بحرية الرأي كما يتعم التعامل معها في تونس... و هو الموضوع الرئيسي الذي أبرزته وضعية فاطمة... أخيرا أود أن أشكر المدونة الصديقة بنت عايلة على مساعدتها في كتابة الاجزاء المتعلقة بالمسائل القانونية في المقال

هذا المقال مهدى إلى كل الاصدقاء المدونين و الفايسبوكيين الذي ساهموا بقدر أو بآخر في تيسير اطلاق سراح الصديقة المدونة فاطمة ارابيكا..


http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=104794&issueNo=688&secId=15

«أرابيكا»: المواطنة الإلكترونية والعقاب

طارق الكحلاوي

2009-11-08
مثلما نشرت ونقلت آخر الأسبوع منابر عديدة عبر العالم، من قناة «الجزيرة» إلى «لوس أنجليس تايمز» مرورا بمنظمة «مراسلون بلا حدود»، فقد تعرضت المدوِّنة التونسية «أرابيكا» بدءا من 2 نوفمبر الجاري إلى استدعاءات وإيقافات «تحفظية» على خلفية نشاطها التدويني. وإلى حد هذه اللحظة (السبت صباحاً) يبدو أنه تم إطلاق سراحها ولكن لا يُعرف بعد حسب محامي «أرابيكا» ما إذا كانت هذه الإجراءات ستتوقف أو سيتم تصعيدها إلى عرض المدوِّنة التونسية على قاضي تحقيق وتوجيه تهم إليها تخص حسب التوقعات الأولية «القذف» أو بمعنى آخر «الثلب».

«أرابيكا» أو فاطمة الرياحي صديقة تعرفت عليها قبل حوالي ثلاث سنوات افتراضيا، فنحن في عالم يمكن للصداقة الافتراضية أن تأخذ بُعدا ليس أقل جدية من الصداقة «الواقعية»، إذ مر عالم الإنترنت التونسي بأمر استثنائي خلال هذا الوقت سميته بـ «ربيع البلوغوسفير» (Blogosphere) أو «ربيع الفضاء التدويني» بعد مرحلة سادت فيها بين مستعملي هذه الوسيلة الإلكترونية الجديدة (أي «المدونة») نزعة اللامبالاة تجاه الشأن العام، كما يبدو ظاهريا وليس واقعيا بالضرورة. وحتى بداية سنة 2007 كان المشهد الإلكتروني ينقسم بحدة بين فضاء رسمي وآخر معارض أو حقوقي يتعرض إلى حجب روتيني. لكن بشكل متدرج بعد ذلك مثّل اكتشاف وسيط يوفر الكثير من الحرية الذاتية، مثلما هي «المدونة»، فرصة للتعبير الخلاق بالنسبة للبعض ممن يسمى بشكل روتيني «الأغلبية الصامتة». نشأ حينها نوع من التيار التدويني «المستقل» عن أي هوية سياسية ذات بعد واحد والحامل في ذات الوقت لهموم فكرية متنوعة إلى حد التناقض، استطاع في النهاية أن يحقق ربيعه التدويني عبر المعادلة التي لم يتم التوصل إليها إلا حينها: الاعتراض وحتى الاحتجاج مع الحفاظ على لغة حذرة استطاع تحدي قواعد الرقيب والذي تمرن أساساً على حجب المواقع المسيّسة بدون مواربة.

ضمن معادلة «المواطنة الإلكترونية» هذه نمت فاطمة بشكل مطرد لتمثل مثالا على نموذج جديد (للعديد من المدونين) يعبر عن ناشط حقوقي يركز على استقلاليته وذاتيته أكثر من أي نموذج سابق في الحالة التونسية. كان الاتجاه العام للتدوينات والنصوص الأولى لـ «أرابيكا» تعبيراً عن الاستغراق الذاتي ذي الطباع الشعري وهو المجال الذي تمنحه أي «مدونة» في الأصل بما هي منبر ذاتي ولا يعبر عن فكر الجماعة مبدئيا. غير أننا نكتشف ما هو عامّ في أنفسنا بالتحديد عندما نستغرق في ذواتنا، وهكذا كان اكتشاف الذات، خاصة عبر مسار «نشرها» للعموم واحتكاكها مع القارئ بما هو «آخر»، هو مسار التركيز على ما هو شأن عام. وهكذا حتى «استضافتها» أخيرا كانت فاطمة تتصرف ببراءة الطفل الذي يعتقد في القواعد النظرية للعبة المواطنة، حق التعبير بما في ذلك النقد والرفض. وخلال كل ذلك كانت شديدة الحذر حتى لا تنسى الفارق بين كل ذلك و «الثلب» أو السباب (ربما تعرضت هي لذلك أكثر من غالبية المدونين)، خاصة الفرق بين النشاط العام لأي شخصية وخصوصياتها الذاتية غير المتسربلة بنشاطها العام. ورغم ذلك فإن احتمال تعرضها هي ذاتاً للملاحقة أو على أساس العلاقة مع ما يكتب من قبل آخرين على صفحة مدونتها يطرح إحدى أعقد المعضلات بالنسبة لموضوع التعبير عن الرأي في بلادنا خاصة مع حالات مشابهة أخيرا لصحافيين مستقلين يستعملون الإنترنت، وهي المعضلة التالية: ماذا يعني تجريم الرأي الإلكتروني؟

هناك طبعا سياق كامل بصدد التشكل منذ أعوام قليلة خاصة في المشهد الرسمي العربي يحاول التأقلم ليس أمنيا فحسب بل أيضا تشريعيا مع مستجدات النشر الإلكتروني. وإثر ربيع ساخن في مصر سنة 2008 تسربل فيه النشاط المدني والسياسي بالوسائط الإلكترونية الجديدة (حركة شباب 6 أبريل) بدأت مع حلول صيف نفس السنة المؤشرات الأولية على «توافق عربي» خاصة للأجهزة المشرفة على الإعلام للتدخل تشريعيا خاصة لمواجهة «الجريمة الإلكترونية» السياسية. نشرت بعض الصحف المصرية في بداية شهر يونيو آنذاك أخبارا عما سمي بـ «وثيقة وزراء الإعلام» العرب وفي التفاصيل كان الحديث عن الضوابط الجديدة التي سيشرف عليها «جهاز قومي» في كل بلد «يختص بمنح التراخيص لكل عمليات البث الإعلامي للجمهور بما في ذلك عبر الإنترنت». هذه «الريادة المصرية» لم تتوصل إلى حد الآن إلى صيغة مناسبة خاصة بعد الانتقادات الشديدة التي طالت هذه الوثيقة وهو ما أثر -على ما يبدو- على التفعيل العربي الجماعي لها. في ذات الوقت طفا على السطح تقرير حكومي مصري (من إعداد «مركز المعلومات» التابع لمجلس الوزراء المصري) يقدم فحصا دقيقا للمشهد المدوناتي المصري و «مخاطره» بما يحيل على «تدوينوفوبيا» تتجاوز استهداف المضمون إلى استشعار خطورةٍ ما في الوسيلة ذاتها.

لكن بمعزل عن السياق العربي لم تنتظر بقية الأقطار مقاربة عملية عربية. وكانت إحدى المحاكمات التي حدثت هذا الصيف في تونس سابقة إجرائية في هذا الإطار، إذ تم الحكم في شهر يوليو 2009 بستة أشهر سجن نافذة على أستاذة متقاعدة بسبب ما اعتبر أنه «ترويج إشاعة من خلال مصادر أجنبية على شبكة الفيسبوك». الأمر المثير للانتباه هو أن ذلك تم بناء على المادة القانونية الخاصة بقانون العقوبات رقم 121 والتي «تلحظ ضرورة معاقبة كل من تسبب في تعكير صفو النظام العام كما لو أنه شارك في تمرّد إما عبر خطاب ألقاه في مكان عام أو عبر الملصقات والمطبوعات بعقوبات تتراوح بين الغرامة والسجن الذي يمكن أن يصل حتى خمسة أعوام».. هذه المادة تندرج تحت عنوان «النظام العام» وهي أيضا ترجع إلى المدوَّنة القانونية التي تم إرساؤها في سياق مؤسسات الاحتلال الفرنسي بين سنتي 1906 وسنة 1913. وبرغم أن ذلك أسهم في تأسيس الجهاز القانوني التونسي الحديث فإنه بدا في شقه السياسي يخدم آنذاك ظروف سلطة احتلال استبدادية ضد السكان التونسيين؛ خاصة أنه تم صياغته في سياق بدء الاحتجاجات المدنية التونسية ضد الاحتلال آنذاك والتي قوبلت بقسوة بالغة. هذه المادة رغم أنها تمس ظروفا استثنائية تخص «التمرد» (بمعنى مقاومة الاحتلال في سياقها الأصلي) أو غامضة مثل جملة «تعكير صفو النظام العام»، فهي تمس في نهاية الأمر موضوع النشر ومن ثم الصحافة وبالتالي وبالضرورة موضوع حرية الرأي. ومن الملاحظ أن المشرِّع الفرنسي خص مجاله السيادي الفرنسي، بخلاف المستعمرات، بمدونة قانونية شديدة الحساسية تركز على الحد من الغموض والتقليل الكبير في العقوبة الخاصة بالنشر بشكل عام، إذ إن في المادة الخاصة بـ «الثلب» (diffamation) والتي ترجع إلى قانون سنة 1881 نقرأ التحديد غير القابل للتأويل تفريقاً بين «ثلب خاص» وآخر «عام»، والثاني الذي يتعلق بمجال النشر والصحافة والتي بشكل واضح لا تعرض صاحبها إلى الحبس بل فقط إلى الغرامة (إلا في حالات خاصة جدا منصوص عليها). تحديد عقوبة النشر في «الثلب» (و ليس في مصطلحات قابلة لتأويلات واسعة مثل «تعكير صفو النظام العام») والتقليل من العقوبة إلى ما دون السجن (بل هناك جدال فرنسي حول إلغاء العقوبة أصلا) يعكس هذه الحساسية التشريعية لمبدأ حرية الرأي.

في المقابل فإن قانون سنة 2001 في تونس نقَّح مجلة الصحافة في علاقة بالمادة 121 والمادة 123 ليوسع مجال التجريم ليشمل «المصادر الأجنبية». المفارقة التي نحن إزاءها أن الدولة ما بعد الكولونيالية لا تزال تحتفظ بالمعايير المزدوجة المضمنة في المدونة القانونية الموروثة عن الاحتلال وبالتحديد في عدم حساسيتها إزاء أولوية حماية حرية النشر مثلما هو واضح في القانون المعتمد ضمن المجال الفرنسي السيادي. كل ذلك ولم نمس بعد معضلة معنى «الجريمة الإلكترونية» إذ الربط الحاصل الآن عربيا بين «النشر» الورقي و «النشر الإلكتروني» يتجاوز خصوصية طبيعة الأخير. وليس من الاعتباطي أن «اتفاقية بودابست» الدولية سنة 2001 التي تهتم بـ «الجريمة الإلكترونية» تتعرض بشكل أساسي لموضوع «الملكية الثقافية» ولا تقرب إشكالية «الثلب» أو «العصيان». وهذا الحذر العام نابع مثلا من الطابع العابر لحدود الدول لـ «النشر الإلكتروني». وعموما يبدو المشرع التونسي في مرحلة محاولة مأسسة الحجب أو العقاب في المجال الإلكتروني. ويبدو تصريح وزير العدل التونسي يوم 6 نوفمبر الجاري الذي يعترف بـ «الحجب المؤقت» لموقع «الجزيرة نت» بدواعي «الثلب غير المؤكد» في هذا السياق.

نوفمبر 06، 2009

تغيطة وضعية أرابيكا في النشرة المغاربية في قناة الجزيرة يوم 6 نوفمبر


Veuillez installer Flash Player pour lire la vidéo

نوفمبر 05، 2009

كلنا فاطمة



أرابيكا و زاد

من بين المعطيات التي تم تداولها في خصوص سبب عرض الصديقة فاطمة على البحث (هنا) هو أنها "مشتبه في أنها هي من تقف خلف مدونة نقاش تونس لصاحبها زاد"..

مع التأكيد على حق مدونة "نقاش تونس" (لصاحبها المدون التونسي "زاد") على التعبير فإنه لا يوجد أي مجال للشك في أن فاظمة لا تتحمل سوى مسؤولية مدونتها التي عرفناها جميعا "أرابيكا"... و قد نشرت منذ قليل مدونة "نقاش تونس" (هنا) رسما كاريكاتوريا و نصا خاصا بصاحبها بما يدحض لمن لا يزال يحاول تحميل فاطمة مسؤولية الاشراف على هذه المدونة خاصة أن ليس لفاطمة الآن الامكانية للابحار على النت

كل ذلك و مرة أخرى مع التأكيد على حق مدونة "نقاش تونس" في التعبير و اعتبار أن التضامن مع مدونة أربيكا هو في الأساس تضامن مع حق وجود أي مدونة أخرى

أرابيكا

خبر كان من الصعب الاستماع اليه و الصمت خلال الايام الفارطة... أخيرا أمكن الحديث بوضوح... فاطمة التي رفقتنا في الرحلة التدوينية السنوات إلي فاتت.. فاطمة إلي كانت حتى الاسبوع الفايت متحمسة و مستعدة اتدافع على أي شخص يتعرض للمضايقة و الملاحقة...

لتوخي الدقة الآن الالتزام بالنص الوارد في المدونة المتضامنة معها و مجموعة الفايسبوك

فيما يلي النص:

الصديقة فاطمة الرياحي و صاحبة مدونة فاطمة أرابيكا تم إستدعاؤها من طرف فرقة مكافحة الإجرام يوم الإثنين الفارط الموافق ل2 نوفمبر 2009.

تمّ إطلاق سراحها في نفس الليلة ليتم إستدعاؤها مجددا يوم الثلاثاء 3 نوفمبر حيث رافقها ثلاثة أعوان أمن إلى منزلها لتفتيشه و حجز حاسوبها الخاص. و منذ ذلك اليوم وهي موقوفة على ذمة التحقيق، و حتي محاميتها الأستاذة ليلى بن دبة لم تستطع أن تحادثها إلاّ لبضع دقائق.

قانونيا، يخول لفرقة مكافحة الإجرام الإحتفاظ بها على ذمة التحقيق لمدة 8 أيام على الأكثر على أن يتم عرضها على القضاء إثر ذلك.

فاطمة الرياحي متهمة بالثلب على الإنترنت (في مدونتها) و أيضا مشتبه في أنها هي من تقف خلف مدونة نقاش تونس لصاحبها زاد.

تحيين:
هنا نص تقرير في "غلوبال فويسس أونلاين" صدر منذ قليل

نوفمبر 04، 2009

إفراج

محامين في فايسبوك و منظمات حقوقية اصدرت بيانات في خصوص الافراج يوم 4 نوفمبر عما يعرف بـ"مساجين الحوض المنجمي"... الافراج على الارجح يأتي في اطار "الاحتفالات ب7 نوفمبر".. خطوة ايجابية و مبروك للمساجين و أهاليهم... يبقى من مصلحة البلاد الافراج عن أي معتقل في سياق سياسي أو الرأي

بمناسبة 4 نوفمبر... اليوم الوطني لحرية التدوين

ما كانش عندي وقت للتذكير باليوم هذا.. يظهرلي مازال من الضروري التذكير بأهمية حرية التدوين... هذية تدوينة العام الماضي لكنها مازالت صالحة و مازالت في وقتها

التدوينة هذية في اتجاه لفت الانتباه إلى أهمية الالتجاء للقضاء و القانون لحماية حرية التدوين... بش نركز على التجربة الريادية في العالم في التدوين يعني التجربة الأمريكية... في إطار النمو الكبير للمدونات في أمريكا تعملت برشة قضايا ضد مدونات على أساس تهم من نوع "التشويه" و "الكذب"... و في السياق هذاية تعملت حاجة عملية يظهرلي مهم برشة و ممكن برشة أنها تصير في تونس... تعملت في اأسابيع لخرة منظمة من قبل قانونيين و محامين في نيويورك يقدمو تدريب من أجل "تأمين" المدونين في اتجاه حمايتهم وقتلي يتعرضو لمشاكل قضائية (شوف هنا و هنا)... طبعا الظروف و التحديات مختلفة... كيفما قلت في مقال سابق (هنا) ردا على مقال تبريري لبسيس فإنو مش ممكن مقارنة عمار الأمريكاني بعمار التونسي... لكن فمة حاجة ممكن نخرجو بيها من خلال القضية المرفوعة في القضاء و هي تكوين إطار يوفر المشورة و النصح و حتى الحماية القانونية للمدونين في إطار قوانين و دستور بلادنا إلي مبدئيا تحمي حق التعبير طبعا بمعزل عن الوقائع... يعني طريق مواجهة عمار عبر القضاء و القانون يجب التركيز عليه و تطويرو...

نوفمبر 01، 2009

الخلفية الاستراتيجية لموضوع «التوريث» في مصر

مقال صادر في "العرب" القطرية بتاريخ 1 نوفمبر

http://is.gd/4KBR2

الخلفية الاستراتيجية لموضوع «التوريث» في مصر

طارق الكحلاوي

2009-11-01

«أمرٌ أكثر من الدبلوماسية يجب أن يحدث حتى يمكن إرجاع الخديوي إلى مكانه وإعادة ترسيخ السيطرة الأنجلو-فرنسية... جيش عرابي يتكون بشكل واسع من قوة ثابتة من المجندين بالسخرة من صفوف فئة تسمى الفلاحين. هذه المخلوقات البائسة جبانة بالفطرة، ونجاعتهم في الحرب تتقلص أكثر بسبب نزعتهم للهروب من الجندية والرجوع إلى منازلهم في أقرب فرصة. إذا كانوا سنده الوحيد فإن عرابي سيصمد بالكاد في موقعه كديكتاتور».
(تقرير في «نيويورك تايمز» بتاريخ 25 يونيو 1882 بعنوان «الآفاق في مصر»).

وضعُ مصر كان في الفترة الحديثة ولا يزال في الفترة المعاصرة، مثل معظم بقية الوضع العربي، بين «تسلّطين» (authoritarianisms)، واحد دولي والآخر محلي. غير أن تعريف ماهية مصر والشعب المصري تختلف طبعا حسب المتكلم. لا يجب الشعور بالصدمة من تقرير مراسل النيويورك تايمز في مصر (البريطاني على الأرجح) في وسط صيف 1882 والذي يبدو أقرب إلى الخطاب التحريضي منه إلى تقرير إخباري، والمشبع بما يكفي من مفردات وصور الكراهية الاستشراقية الأكثر انحطاطا بما يكفي أن يجعلنا نشعر بالاشمئزاز ونتوقف على الفور عن قراءته.

هذا التقرير هو صورة مكثفة عن ذهنية الاستبداد الدولي الأنجلو-فرنسية في وقت كان يتحفز فيه بلا هوادة لإخضاع شعوب ومساحات جيوسياسية كاملة. كان الصراع بين ثلاثة محاور: المحور الأنجلو-فرنسي والذي سيرخي بالقيادة إلى التاج البريطاني مع الحفاظ على نفوذ اقتصادي فرنسي قوي (عبر القنال خاصة)، ومحور السلطة المحلية المتهالكة والغارقة في الديْن الخارجي بقيادة الخديوي والأرستقراطية التي تملك معظم الأراضي والعقارات والمتحالفة مع المحور الأول، وأخيراً التحالف الناشئ بين جزء من البيروقراطية العسكرية بقيادة عرابي باشا وبقية الفئات المتضررة من الوضع القائم. وبمعنى آخر كان المحور الأخير المتكون للتوّ والهش بصدد خوض معركتين، مع «التسلطين» الدولي والمحلي، وخسرهما، إذ كانت نذر الاحتلال متهيئة ولم تكن بالتأكيد في انتظار تحريض مراسل النيويورك تايمز.

بكل تأكيد ليس وضع الاقتصاد المصري 2009 هو وضعه سنة 1882، كما أن وضع مصر الراهن ليس مطابقاً -مثلما يبالغ بعض الساسة المصريين من المعارضة في الأسابيع الأخيرة- لوضع ما قبل ثورة يوليو سنة 1952، بل إنه لا توجد أية معطيات كارثية عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المصري. الاقتصاد المصري قفز بسرعة في السنوات الأخيرة بحساب الناتج المحلي الإجمالي ليكون من ضمن أقوى الاقتصادات في إفريقيا بعد جنوب إفريقيا والدول النفطية الإفريقية (الجزائر ونيجيريا). يقع النظر (مثلا في النشرة البريطانية nebusiness) إلى الاقتصاد المصري من بين «الاقتصادات النامية الصاعدة»، إلى جانب اقتصادات مثل تايلاند وتركيا، كمجال استثماري بديل في سياق وضع الأزمة الراهن. منذ شهر أصدر البنك الدولي تقريراً يشير فيه إلى أن مصر من بين أكثر عشرة اقتصادات تنشط في اتجاه «الإصلاح» في سياق الوضع الراهن. لكن الوضع غير وردي أيضا، وحتى نمو الناتج المحلي لم ينعكس بشكل متوازن اجتماعيا، إذ يخفي معدل دخل الفرد (2184 دولار) الكثير من التباينات. كما أن هذا الارتفاع المسجل في هذا المعدل السنة الماضية متأثر -حسب تقارير التنمية الأممية- بارتفاع معدلات التضخم.

نسب البطالة مرتفعة بشكل قياسي، ورغم أن الأرقام الرسمية تشير إلى حوالي 2.4 مليون عاطل فقط، تتحدث أرقام غير رسمية ومن مصادر مستقلة أكثر مصداقية عن أرقام يمكن أن تصل إلى أكثر من 8 ملايين عاطل. ورغم أن نسبتها غير كبيرة قياسا بالإنتاج المحلي فإن «المساعدة الأميركية» الاقتصادية السنوية لها استتباعات تتجاوز الاقتصادي إلى نوع من الضمانة السياسية الدولية للنظام الحالي. في عام 2009 وبتأثير الأزمة الاقتصادية تم تقليص «المساعدة الأميركية» السنوية إلى مصر (أي باستثناء «المساعدة العسكرية») بأكثر من النصف، لتصبح 200 مليون دولار بعد أن كانت 450 مليون دولار سنة 2007، وبذلك انخفضت نسبة كل مواطن مصري من هذه «الهبة» (ذات الخلفية السياسية بكل تأكيد) من 6 دولارات للشخص إلى أكثر بقليل من دولارين. كما أن الأطراف المستفيدة من «الهبة» الأميركية السنوية تشير إلى توافق بين السلطة المحلية ونخبتها الاجتماعية مع الرؤية الأميركية لمصر، ومن ثمة رؤية قوى دولية مؤثرة لمصر. ومثلما يشير أحمد سيد النجار في تقرير صدر في «مؤسسة كارنيغي» في يونيو الماضي فإن التركيز الحالي للمشاريع التابعة لهذه المساعدات هو على فئة «رجال الأعمال» خاصة «الأقوياء منهم»، ومن ثم المقربين إلى السلطة، إذ إن الحكومة المصرية المؤلفة من قِبَل لجنة السياسات برئاسة نجل الرئيس عادة ما تُسمى، وبدون مبالغة، «حكومة رجال الأعمال».

لن يكون من التعميم القول بأن الوضع المصري الراهن مستمر عموما ضمن شروط الصفقة الساداتية منتصف السبعينيات مع الولايات المتحدة. الشروط العامة للصفقة فيها جانبان، سياسي واقتصادي-اجتماعي. السياسي يقتضي تحوير الدور المصري في المنطقة إلى دور مساعد للاستراتيجيات الأميركية بما في ذلك عقد «سلام» كامب ديفيد مع الطرف الإسرائيلي والمساهمة عموما في مقتضيات المشروع الأميركي بمعزل عن التعديلات التي يشهدها، مقابل ضمان الولايات المتحدة للأمن المصري الإقليمي ودعم النظام. وهنا يأتي الجانب الاقتصادي-الاجتماعي للصفقة، إذ إضافةً للمساعدات المادية والعينية المباشرة لا يمكن أن نتصور أن القروض المستمرة المتدفقة من قبل «البنك الدولي» و «صندوق النقد الدولي» وغيره من المؤسسات المالية الدولية أو التدفق الاستثماري عموما ممكنة من دون دعم أميركي. طبعا من الخطأ أن نتصور أن الطرف المصري أمضى على شيك أبيض، إذ لا يقوم -ولا أعتقد أنه من المفترض أن يقوم- بكل ما يطلب منه أميركيا. ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم التبرم الأميركي شبه الدائم خاصة على مستوى الكونغرس من أداء النظام المصري، وحتى التلويح بقطع المساعدة في بعض الأحيان خاصة أمام تردد النظام المصري لأسباب بديهية في فرض «تطبيع شامل» على الشعب المصري. مرحلة الرئيس بوش الابن كانت امتحانا صعبا للصفقة الساداتية من خلال محاولات علنية وغير علنية لفرض تغييرات في تركيبة النظام. وكانت غزة في ذات الوقت مؤشرا على الغضب المصري من السياسة الأميركية (غض النظر عن «الأنفاق» في منطقة شديدة الحراسة عادة)، ولكن أيضا التخوف المصري (غلق البوابة والدعم الضمني لسياسة «الحسم» تجاه حماس) من أي خلل في «الالتزامات» السياسية تجاه الولايات المتحدة، وهذه العبارة («الالتزامات» بمعانيها السياسية وليس القانونية فحسب) تم تكرارها من المحللين المصريين الرسميين طيلة الحرب على غزة.

كل العناصر أعلاه، الوضع الاقتصادي والاجتماعي خاصة ضمن المركب الأميركي، والإطار العام للعلاقات مع الولايات المتحدة، هي التي يجب أن تؤطر أي حديث عن الخيارات المستقبلية في النظام. وبرغم استغراق الكثيرين في المشهد الإعلامي المصري في أسماء المرشحين المحتملين إزاء جمال مبارك، والبعض الآخر في «الشروط الدستورية» للترشيح كأنها منزّلة من عليين، فإن الطريق الأصوب أشارت إليه تقديرات بعض الكتّاب والسياسيين المصريين، بما في ذلك محمد حسنين هيكل، حول أن المشكل يكمن في شروط اللعبة السياسية العامة وليس في الأسماء أو القوانين.

ليس الوضع في مصر مثلما كان في صيف 1882، لكنه يتجه على مدى بعيد إلى وضع مشابه بعض الشيء، إذ إن خيار «التوريث» لوضع «خديوي» جديد في السلطة يتطابق أكثر فأكثر مع حصر القاعدة الاجتماعية للنظام ضمن نخبة «رجال الأعمال» المدعومين دوليا، في إطار صفقة سياسية لا يمكن ألا نرى علاقتها بوضع استبدادي دولي. في المقابل، وبرغم كل التأكيدات المطمئنة فيما يخص دور المؤسسة العسكرية المصرية على أنها ستشارك في ترتيبات النظام السياسي، فإن الأخيرة تبدو ذات تأثير سياسي مهمش أكثر فأكثر كلما ازداد الحديث عن «التوريث». في ذات الوقت يزداد التهميش الاجتماعي للملايين غير المستفيدين من «ارتفاع» دخل الفرد المصري، وأصبح مشهد «العشوائيات» وسط القاهرة وعلى بعد أميال قليلة من القصر الرئاسي مشهدا متكررا في الأشرطة السينمائية والبرامج الحوارية الليلية. ووسط كل ذلك يبدو الانفتاح الإعلامي (التلفزي وليس الصحافي فقط) غير المسبوق نقطة التنفيس الرئيسة، لكنه مجال تركيم وعي لا يمكن الاستهانة بتداعياته السياسية بما في ذلك الراديكالية، وذلك بمعزل حتى عن نتائج معركة التوريث.

أكتوبر 28، 2009

في خضم و بمناسبة الاحتفالات قبل و بعد الانتخابات... حجب الكلاندستينو


ربما الوضع السياسي العام أو الابتعاد عن جو المدونة نساني بش نكتب الملاحظة هذية... حجب مدونة صديقنا كلاندو.. إلي أخيرا خذا الوسام الأعلى للتدوين المتمثل في حجب مدونتو من قبل عمار 404

المدونة الأصلية
.. وقع تعويضها بمدونة أخرى تعرضت في زمن قياسي لمصير المدونة الأصلية.. بما يعكس خلية النحل إلي في المرمة متاع عمار ساهرة ليلا نهارا على أمن البلاد خاصة قدام أسلحة الدمار الشاملة المتمثلة في كلمات يكتبهم صديقنا الكلاندو

مبروك كلاندستينو... جا الوقت بش تحرق يظهرلي بعد ما تحرقو جوانحك...



بمناسبة الموضوع هذا فمة واحد يفتي في التكنولوجيا في جريدة البيان صرح بالفتوى أعلاه... و طبعا الشخص هذاية إلي قرى التكنولوجيا لكن ما قراش أن التطور التكنولوجي كان ممكن فقط في سياق حرية الابداع من النوع إلي كان خدمو و كلاو خبزة أفضل من أنهم يتحدثو في مواضيع كبيرة كيف هكة.. اش لزك على مزدوجات من النوع هذا

كنت عبرت على موقف من الموضوع متاع الحجب بشكل عام في السابق هنا
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=57307&issueNo=278&secId=15

أكتوبر 25، 2009

أنظمة «تعددية» أم «انتخابية»؟

مقال صادر في "العرب" القطرية بتاريخ 25 أكتوبر

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=102822&issueNo=674&secId=15

أنظمة «تعددية» أم «انتخابية»؟

طارق الكحلاوي

2009-10-25

لا يزال من الصعب تحديد توصيفات دقيقة لطبيعة أغلب الأنظمة السياسية العربية. إن الأسئلة التي يفرضها الواقع العربي الراهن لا يمكن، من زاوية موضوعية، أن تحيلنا، إلا في حالات قليلة، على معادلات ثنائية مطلقة بين «الديمقراطي» و «الشمولي» (totalitarian)، بكل ما يحمله التوصيف الأخير من منع أيديولوجي وقانوني ودستوري (دع عنك المنع الواقعي) لأي إمكانية لحياة سياسية فيها الحد الأدنى الديمقراطي. إذ نحن أحيانا إزاء أوضاع ترتدي كل التفاصيل القانونية والدستورية المؤسسة لعملية ديمقراطية افتراضية حسب المعايير المتعارف عليها، وهو توجه أصبح شبه حاصل بحلول الثمانينيات في الكثير من الأقطار العربية في سياق «الموجة الثالثة» للديمقراطية عبر العالم، حين أصبح من الصعب رفض النموذج الغربي الحداثي للديمقراطية، وكان بالتالي من الضروري حسب الكثير من الأنظمة العربية التي أعادت رسكلة بنيتها أن تتساوق مع هذا النموذج حتى خطابيا وشكليا. ولكن مثلما كان متوقعا فإن الإمكان النظري الديمقراطي لم يترجم واقعيا بدرجات كبيرة. وأصبحنا إزاء مفارقة التفاوت بين واقع الآلية الديمقراطية مقابل الامتناع عن تفعيل بديهيات الممارسة الديمقراطية ذاتها. فالانتخابات بشكل خاص، كوسيلة وأداة ديمقراطية، منتشرة ومتكررة في السياق العربي، مثلما سيحدث اليوم في الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس، غير أن هذه الوسيلة تستمر في إعادة إنتاج نفس هياكل الواقع السياسي.

يبقى أن كل هذه المفاهيم في حاجة إلى تدقيق. إذ تحديد ما هو غير ديمقراطي يمكن أن يحتوي على مغالطات في تعريف الديمقراطية ذاتها، وهو الأمر الذي لا يزال يخضع لجدال واسع، ليس في أوساط «أصولية» ترفض مشروعية الديمقراطية، بل قبل ذلك في الأوساط الغربية ذاتها. هناك مثلا البعض، مثل الباحث التشيكي في النصف الأول من القرن الماضي جوزيف شومبيتير، ممن يقيس الديمقراطية عبر المقياس التبسيطي المتمثل في أنها النظام السياسي الذي يتم ملء مواقع السلطة فيه «عبر صراع تنافسي من أجل أصوات الناس» أي آلية الانتخابات. غير أن مقياسا من هذا النوع من الممكن أن يفشل في رصد سياق «المنافسة الانتخابية» الذي يمنع تحديدا المنافسة. ثم إن تعريف الديمقراطية، ومن ثم نواقضها، يمكن أن يأخذ منحى أكثر تعقيدا. فقد اقترح روبرت داهل (Robert Dahl) أحد أكثر علماء السياسة تأثيرا وإثارة للجدل في ذات الوقت مراجعة لمفهوم الديمقراطية كما هي ممارسة في سياق الأنظمة التي نطلق عليها «ديمقراطية». في كتابين مرجعيين بداية السبعينيات ثم نهاية الثمانينيات حاجج داهل من مقعده في جامعة «ييل» بالذات، أحد أهم المراكز الأكاديمية التقليدية الأميركية، ضد اعتبار النظام السياسي الأميركي تعبيرا عن «الديمقراطية المثلى»، مثلما نقد استسهال الخطاب السياسي لاستعمال مصطلح «الديمقراطية» إذ رأى أنه لا وجود لأي تفعيل واقعي عبر العالم لهذا النظام المثالي. إذ بالقياس إلى 5 معايير وضعها داهل تتركز على «المساواة» بين الناخبين، من حيث قدرتهم الواقعية على الوصول إلى المعلومات والمشاركة والترشح والتمويل في العملية السياسية، دعا إلى تجنب مصطلح «الديمقراطية».

في المقابل اقترح داهل منظومة مفاهيمية بديلة تتركز في مصطلح «التعددية» (polyarchy). هنا نحن إزاء «تعددية» ليس في الحياة السياسية بشكل عام فحسب بل في ممارسة السلطة بالتحديد، وخاصة على مستوى التداول على السلطة. ومن هذه الزاوية وجه داهل نقده للرؤى التي تختزل العملية السياسية «الديمقراطية» في حصول الانتخابات ليركز على سياق الانتخابات ومدى توفرها على وسائل إنتاج التداول على السلطة، واعتبار هذه النقطة تحديدا الميزة الرئيسية التي تجعل بعض الأنظمة السياسية أكثر قربا من غيرها من نموذج «الديمقراطية المثلى». وبرغم الانتقادات التي وجهت إلى داهل فإن هناك اتجاها غالبا لقبول مفهوم «التعددية» خاصة أنه يوفر سياقا أكثر واقعية في نقاش أوضاع أنظمة معقدة وصفت بـ «الضبابية» مثل الأنظمة السياسية لتركيا ونيجيريا وإندونيسيا. وعلى هذا الأساس بدا من الممكن اقتراح توصيفات أكثر نسبية وأقل إطلاقية، وسلم متعدد الدرجات لا يتوقف عند التعبيرات الاختزالية والثنائية. إذ بخلاف الثنائية المطلقة لـ «الديمقراطية» و «الشمولية»، هناك ثنائيات أخرى تبدو أقل حدة مثل «الديمقراطية» و «التسلطية» (authoritarianism) -أي النظام السياسي الذي يمكن أن يقر قانونا بـ «التعددية» بعكس النظام «الشمولي» غير أنه ينقضها بشكل متفاوت في الممارسة، يمكن أن تخفي تباينات كبيرة إذا ما توقفنا عند التحليلات العامة.

وقد برهن بعض الباحثين في العشرية الأخيرة خاصة لاري دايموند (Larry Diamond)، المشرف على «مجلة الديمقراطية» (Journal of Democracy)، من خلال مقال في النشرية الأخيرة سنة 2002 على رجاحة الموقف الذي يجعل التمييز بين إقامة الانتخابات من جهة وقدرة الانتخابات من جهة أخرى على ضمان تداول على السلطة ليس كمقياس أساسي في تمييز الأنظمة «التعددية» فحسب بل أيضا في مقاربة أغلب أوضاع الأنظمة السياسية العربية من بين أنظمة أخرى بشكل يمكن من حصر طبيعتها الرئيسة. ليصل في النهاية إلى تصنيف «الأنظمة الهجينة» (hybrid regimes) أو ذات الصفات المختلطة وغير المتجانسة والذي يتيح مقاربة نظرية أكثر اتصالا بالواقع.

«الأنظمة الهجينة» بالنسبة لدياموند هي تلك الأنظمة التي تتوفر رسميا على نظام سياسي يتيح التعددية السياسية وعلى انتخابات دورية لكنها عمليا غير «تعددية» أو غير «ديمقراطية» بما أنها تكرس سلطة الحزب الواحد. وبهذا المعنى فبعكس «التعددية الانتخابية» أو «الديمقراطية الانتخابية» (electoral democracy) يقع توصيف هذه الأنظمة بأنها «تسلطية انتخابية» (electoral autocracies). وضمن هذا السياق يمكن أن نجد أحيانا منافسة انتخابية جدية، علنية أو غير علنية، لكن فقط في إطار الحزب المهيمن على السلطة وفقط ضمن حدود إعادة إنتاج وضع سلطة الحزب الواحد. وبهذا المعنى نحتاج تصنيفا داخليا يميز بين الحالات التي توجد فيها مثل هذه المنافسة في أوساط النخبة الحاكمة وهي أنظمة يطلق عليها دايموند (اعتمادا على الوضع زمن كتابته المقال أي سنة 2002) وصف «التسلطية التنافسية»، ويسوق من ضمن المجال العربي والإسلامي على ذلك أمثلة إيران ولبنان واليمن. في حين يطلق على الحالات التي تعرف درجة تنافس ضعيفة توصيف الأنظمة «التسلطية الانتخابية المهيمنة»، ويذكر في هذا الإطار أمثلة الكويت والمغرب وتونس ومصر. في حين يعطي وصف الأنظمة «التسلطية المغلقة» لحالات مثل ليبيا والسعودية.

غير أنه حتى التصنيفات المقدمة من قبل دايموند تحتاج إلى التمحيص والتعميق. والمقال الأخير في نفس النشرية «مجلة الديمقراطية» (عدد يوليو 2009) من قبل إيلين لاست (Ellen Lust) أستاذة العلوم السياسية في جامعة «ييل» يذهب تحديداً في هذا الاتجاه. إذ تقترح لاست خاصة بالاعتماد على التجارب الانتخابية في مصر والمغرب وما يترافق معها من أجواء سياسية تعبير «التنافسية الزبونية» (competitive clientelism) لمزيد تمييز أنظمة في طور الانتقال من وضع الأنظمة «التسلطية الانتخابية المهيمنة» إلى أنظمة «تسلطية تنافسية». لاست تركز هنا بشكل خاص على ظاهرة تجيير الوظيفة البرلمانية إلى موقع لـ «الوساطة» بالمعنى الزبوني للكلمة بين بعض القاعدة الانتخابية والسلطة التنفيذية. وبهذا المعنى يصبح موقع النائب مصدرا لمدخل ريعي (مادي ولامادي) يستحق التنافس بين أعضاء حزب السلطة الذين يفقدون في نهاية الأمر الشعور بـ «وحدة البرنامج» بما أن المصالح الزبونية هي الحافز الرئيس لحراكهم السياسي. وهنا تصبح الانتخابات بالتحديد أداة لتكريس عدم فاعليتها كأداة «تعددية» والأكثر من ذلك تكريس تراتبية الحياة السياسية التي تجعل السلطة (بما هي وحدة مونوليتية: تنفيذية-تشريعية) سلعة الحزب الواحد، والسلطة التشريعية سلعة السلطة التنفيذية. ومن ثم لا تمثل الانتخابات في هذه الحالة إلا تجديدا ومن ثمة ترسيخا لهياكل إضافية معرقلة لشروط تحقق الأنظمة «التعددية».