السبت، فيفري 13، 2010

تدوينة في مدونة عبر إنها تونس

لأن هذه المدونة محجوبة للمقيمين في تونس يمكن مؤقتا الاطلاع على تدوينات "أفكار ليلية" على صفحة المدونة في فايسبوك على هذا الرابط
http://www.facebook.com/pages/Nocturnal-Thoughts-fkr-lyly/291426088195?ref=mf

تدوينة في مدونة "عبر إنها تونس" (هنا) تعليقا على خبر عن محاولة سطو مسلح على أحد البنوك

الثلاثاء، فيفري 09، 2010

مقال جديد حول اغتيال حشاد.. مغزى المطالبة بمحاكمته


لأن هذه المدونة محجوبة للمقيمين في تونس يمكن مؤقتا الاطلاع على تدوينات "أفكار ليلية" على صفحة المدونة في فايسبوك على هذا الرابط
http://www.facebook.com/pages/Nocturnal-Thoughts-fkr-lyly/291426088195?ref=mf

مقال جديد نشر لي اليوم (في موقع "الجزيرة نت"، قسم المعرفة و التحليلات) أناقش فيه خاصة الآراء التي اعترضت على المطالبة بمحاكمة المتورطين في اغتيال فرحات حشاد.. أنظر خاصة الجزء الثاني المتعلق بـ"عقلانية الموقف الاحتجاجي و المشاغبة القانونية".. رابط مباشر للمقال في "الجزيرة نت" (موقع محجوب أيضا في تونس) و رابط للمقال على صفحة فرحات حشاد في فايسبوك

للتعليق على هذه التدوينة اضغط هنا

الاثنين، فيفري 08، 2010

تحيين قائمات المدونات المتضامنة مع أفكار ليلية--- مع رابط لتدوينة منفية

لأن هذه المدونة محجوبة للمقيمين في تونس يمكن مؤقتا الاطلاع على تدوينات "أفكار ليلية" على صفحة المدونة في فايسبوك على هذا الرابط
http://www.facebook.com/pages/Nocturnal-Thoughts-fkr-lyly/291426088195?ref=mf

نحب نشكر التدوينات التضامنية الجديدة مع "أفكار ليلية" و إلي تم ضمها لقائمة التدوينات الصادرة في الموضوع هذا على هذا الرابط

من جهة أخرى استجابة لدعوة برباش و أنتيكور استضافة بعض تدوينات "أفكار ليلية" لكي تكون متاحة للقراء في تونس نشرت أول تدوينة من النوع هذا على مدونة "قلق و حاجات أخرى" (هنا)... بادرة تضامنية جيدة تتسحق التنويه

الأحد، فيفري 07، 2010

مقال الصديق اسماعيل على موقع إيلاف الذي يتعرض لحجب مدونة أفكار ليلية: عمار 404 و القصف العشوائي

لأن هذه المدونة محجوبة للمقيمين في تونس يمكن مؤقتا الاطلاع على تدوينات "أفكار ليلية" على صفحة المدونة في فايسبوك على هذا الرابط
http://www.facebook.com/pages/Nocturnal-Thoughts-fkr-lyly/291426088195?ref=mf

رابط لمقال الصديق اسماعيل الصادر أمس... هنا على فايسبوك و هنا على موقع إيلاف

تجديد الشكر للمتضامنين خاصة الجدد مع مدونة أفكار ليلية بعد حجبها

لأن هذه المدونة محجوبة للمقيمين في تونس يمكن مؤقتا الاطلاع على تدوينات "أفكار ليلية" على صفحة المدونة في فايسبوك على هذا الرابط
http://www.facebook.com/pages/Nocturnal-Thoughts-fkr-lyly/291426088195?ref=mf

أود أن أشكر مرة ثانية كل الذين عبروا عن تضامنهم مع مدونة "أفكار ليلية"... تم على هذا الرابط (على الصفحة البديلة للمدونة على شبكة فايسبوك) تجميع و إعادة نشر مختلف التدوينات التي تعرضت للموضوع.. و قمت بتحيينها و ضم التدوينات الجديدة الواردة مؤخرا..

السبت، فيفري 06، 2010

شكرا لكل المتضامنين ضد حجب أفكار ليلية... هذه التدوينة محجوبة أمام المقيمين في تونس

لأن هذه المدونة محجوبة للمقيمين في تونس يمكن مؤقتا الاطلاع على تدوينات "أفكار ليلية" على صفحة المدونة في فايسبوك على هذا الرابط
http://www.facebook.com/pages/Nocturnal-Thoughts-fkr-lyly/291426088195?ref=mf

أود أن أشكر كل الذين عبروا عن تضامنهم مع مدونة "أفكار ليلية"... تم على هذا الرابط تجميع و إعادة نشر مختلف التدوينات التي تعرضت للموضوع.. و سيتم تحيين القائمة تباع.. أود أن أشكر أيضا المتضامنين على شبكة تويتر.. أنظر هنا... و تلك فقط بعض وسائل مواجهة الحجب العاجز أكثر فأكثر مع تقدم التقنية و دمقرطة وسائل الاتصال..

الجمعة، فيفري 05، 2010

عمار يصنصر مدونة أفكار ليلية... تدوينة غير متاحة للتونسيين المقيمين في وطنهم


برغم العشرة الطويلة مع عمار إلا أنو قرر أنو يصنصر المدونة... مرحبا بي في نادي المحجوبين.. هذا بعد ما كتبت على حجب مدونة "مينرفا" و في سياق الكتيبة على موضوع الطلبة و 5 فيفري.. المشكل بالنسبة لعمار إلي واضح أنو متخلف لأنو مش فقط انجم نحل عدد لانهائي من المدونات بدون أي جهد يذكر لكن زادة التواصل عبر الانترنت و الكتيبة ولات تاخو وسائط أخرى بخلاف المدونات (تويتر.. فايسبوك..).. يعني فمة فيضان متاع وساط معلوماتية عمار مجرد لاعب هاوي قدامها...

بالمناسبة في نفس اليوم إلي تم فيه صنصرة مدونتي تم فيه صنرة موقع "نوتالا" متاع الشكلاطة
http://www.nutelladay.com
ربما لاحتوائه على مفردات مخلة بالاخلاق كيف "نو" (عريان/عريانة؟)؟ يعني قمة الاعتباطية

من أجل جامعة حية.. مصلحة تونس في طلبة نشطين نقابيا و سياسيا--الجزء الثاني



الجزء الثاني

غير أن قصة التاريخ المجرد هذه تتقاطع مع تجربتي الجامعية. و بالتالي هي في جزء منها تجربة شخصية جدا. شاءت الظروف أن دخلت الجامعة (للحظات قصيرة متقطعة) قبل الالتحاق بالجامعة و شهدت آخر فصول فورانها مع أواخر الثمانينات. كان ذلك مشهدا ضخما و هائلا بكل المعاني. و لهذا بالتحديد كان رجوعي إليها بصفة الطالب سنة 1993 حالة صادمة بكل المقاييس برغم كل التوقعات حول تراجع بل و انقطاع نفس حركة طلابية أصبحت تتحرك حسب جدول الأوقات المقرر سلفا ممن في يدهم الأمر، أو بمعنى آخر توقفت آنذاك عن أن تكون "حركة". كان علينا أن نتفرج على ملهاة حقيقية قوامها عنصرين: الأول جهاز طلابي سياسي يتبع الحزب الحاكم غير أنه يريد أن يكون كل شيء، حتى أنه كان يترشح في انتخابات "المجالس العلمية" تحت تسميات نقابية (نقابة ضد من؟ و لأجل من؟). و الثاني "اتحاد طلبة" أصبح، أيضا، جهازا كنا نصطلح عليه جميعنا (من هم فيه و من هم عليه) بـ"الشقف"، بما يعني ذلك من فراغ المحتوى و نصاعة الشكل. كان عجز العنصر الأول عن أن يملأ الفراغ السياسي و بالتأكيد النقابي بديهيا إلى غاية لامبالاة أي كان بمحاولة البرهنة حتى عليه، و كان عجز "الشقف" أن يحمي نفسه إلا إذا قرر أن لا يكون مجرد شقف، حالة المفارقة التي ميزت مرحلة التسعينات خاصة أمام تنامي حاجة عموم الطلبة إلى تعبيرات نقابية دنيا يواجهون بها العمليات القيصرية الضخمة التي تقوم بها وزارة الاشراف مثل "الكاباس" و غير ذلك.

كانت هناك فرصة حينها لخلق وضع جديد، يتعالى على حالات الانقسام المؤدلج الكاريكاتوري. إذ كان و لايزال من المثير أن يرى "الطالب العادي" (و حتى بعض الطلبة المسيسين) صراع الديكة حول فتات ايديولوجي في وقت يفتقد فيه الجميع القدرة على الحركة. أصبح حينها للكثيرين واضحا أنه لا يوجد أمل لأي كان من الذين يرغبون في العمل النقابي الصرف، أو السياسي الصرف، او الايديولوجي الصرف أن يستمروا دون افتكاك حق الوجود و الفعل و الكلمة. و تلك كانت معركة جماعية، شكلا و مضمونا. و هنا ربما الأمر الوحيد الذي يجعلني و بعض جيلي من تلك المرحلة ننظر ببعض الفخر إليها: إذ رغم فشلنا الذريع في كثير من أحلامنا الكبرى و لكن (الآن أعتقد، أهمها) تلك الصغرى فإننا استطعنا تجاوز بعض الخطوط الحمر التي مثلت عائقا أمام جامعة حية يعبر فيها الطلبة بشكل صحي و جدي عن رؤاهم السياسية و آمالهم النقابية.. لا أفضل أن أنظر بمنظار وردي إلى تلك المرحلة لكن لا يمكنني ألا اشعر و لو بقليل من الغبطة، الآن، إلى نجاحنا في كسر الحظر الذي ساد بين بداية التسعينات حتى منتصفها ضد "حق الاجتماع العام المرخص" لطرف نقابي محدد (لم يكن ممثلا لكل من هم في الساحة) و باستبعاد صارم لأي تعبير باسم عناوين سياسية و حرصها في أوقات محددة تنتظر ترخصيا مسبقا بيومين بما أفقد الطابع العفوي لأي تحرك نضالي. استطعنا، بعد الكثير من المواجهة و التصميم، افتكاك هذا الحق مجددا من دون الوقوع في الفوضى بل استعماله بكل الحكمة و التوازن الممكنين إذ كنا نعرف هشاشة الوضع الجديد و كنا نحاول الحفاظ على أي مكسب بنواجذ نواجذنا. و الأهم من كل ذلك في غمرة هذا التجاذب أمكن لنا أن نرى في كل منا نقطة مشتركة ما تجعل كل الجدال الايديولوجي الذي توارثناه هزيل المعنى. كانت حالة اكتشاف الجامع بيننا حالة رهيبة و صعبة و لم نمسك بها إلا بالتجربة و الخطأ غير أنها كانت درسا كبيرا، و كانت مبعث انتباه خاص من الطرف الرسمي. لن أنسى مثلا سؤال مسؤول أمني كبير في أحد مراكز التوقيف المعروفة مجموعة منا، جمعت كل التلوينات الفكرية و السياسية الحاضرة آنذاك، عن مغزى وجودنا جميعا في الايقاف ("أش لمكم أصفر على أخضر على أحمر.."). خليط ردة الفعل تلك بين الدهشة و التأمل و الغيض نبهتنا ربما بشكل حاسم إلى واقع كنا نتجنب رؤيته بتأثير كل الميراث الايديولوجي الثقيل الذي كان يخيم علي صدورنا.

لكن مع نهاية التسعينات تبددت مصادر الغبطة الأولية. كان علينا أن نواجه ليس تناحرنا و ترددنا في الامساك بأسباب المرحلة فحسب بل أيضا إصرارا رسميا على منع أي وجود جدي لعمل نقابي و سياسي في الجامعة (عبر الاعتقال الوقتي أو المطول و الابعاد أو المنع من دخول الجامعة)، و فوق كل ذلك و أهمه حالة من التراخي بين عموم الطلبة بما يعكس عدم نضج اللحظة التاريخية ذاتها. كانت أكثر الحالات إحباطا هي الانتقال من حالات حشد تجمع آلاف الطلبة إلى حالة من الفراغ بسبب الامساك أو إبعاد بعض القيادات الطلابية بما يجعل عموم الطلبة في حالة من الدهشة. و في النهاية كان علينا أن نواجه أدوات جديدة نسبيا (ليست غير مسبوقة بكل تأكيد) في الصراع و هي المنع من الدراسة. جربنا أولى اختبارات الوزارة في هذا الاتجاه سنة 1999 (في كلية 9 أفريل مثلا) حيث كان العقاب يتجه نحو "مجالس التأديب" عوض الملاحقات الأمنية غير المجدية في السابق. بدت هذه السياسة الجديدة (التي قاد تنفيذها بالمناسبة عمداء كليات عرفوا بـ"يساريتهم" في وقت من الأوقات) ذات تأثير خاص لأنها تجردنا من سلاح مواجهة سياسية و تنقلنا إلى مجال مواجهة مع البيروقارطية الجامعية و بالنهاية تهدد أصل وجودنا الحركي و النقابي أي الانتساب إلى الجامعة. سيصبح للأسف فيما بعد هذا السلاح ممارسة روتينية برغم نجاح الناشطين الطلبة في محاصرته في البداية و إلى حين (أتذكر أن من اسباب إسقاطه سنة 1999 هو خوف أحد العمداء من صدور إسمه في نشرات وكالات أجنبية و هو الذي يحرص على الحفاظ على واجهة "تقدمية" في الخارج). و هو سلاح ناجع متى لم يستطع الناشطون الطلبة ضمان خلفية تضامنية قوية بين صفوف عموم الطلبة. غير أن ذلك، و هو شرط حركة طلابية قوية و منيعة، لم يتحقق آنذاك، و لا يزال عاجزا عن التحقق الآن. و الاعتقالات في صفوف الطلبة المعتصمين في كلية منوبة و الذين حوكموا و سجنوا أخيرا ربما لم يكن من الممكن منعها لكن كانت ستتم بالتأكيد في ظروف مغايرة لو كان هناك حركة طلابية منتعشة و تضم شكلا و فعلا عموم الطلبة، مثلما كان حال الهياكل النقابية الطلابية في فترات سابقة.

الخميس، فيفري 04، 2010

من أجل جامعة حية... مصلحة تونس في طلبة نشطين نقابيا و سياسيا-- 1



جزء أول



اليوم 5 فيفري الذكرى السنوية لحدث ربما غير معروف من عموم الشباب التونسي بما في ذلك الطلبة التونسيون. و الأهم من ذلك فإننا، في تونس، لم نبتعد كثيرا عن بعض سمات تلك المرحلة. يرمز تاريخ 5 فيفري 1972 إلى خروج المنظمة النقابية الرئيسية في البلاد أي "الاتحاد العام لطلبة تونس" عن "الشرعية" بعد محاولة طلبة الحزب الحاكم آنذاك (طلبة "الحزب الاشتراكي الدستوري") الهيمنة عليها برغم أنهم كانو أقلية في المؤتمر الذي تم عقده في مدينة قربة أمام أغلبية من المؤتمرين ضموا مختلف الحساسات الفكرية و السياسية بما في ذلك تيار انشق عن الحزب الحاكم و قرر الدفاع عن تأسيس نظام ديمقراطي في البلاد. فخلال اجتماع عام تاريخي يوم 5 فيفري ضم آلاف الطلبة (أغلبية بالنسبة لعموم الطلبة آنذاك: حوالي 5 آلاف طالب) بما عكس ثقل كتلة الأغلبية في المؤتمر. الاجتماع الذي تم إعتباره فيما بعد "شروعا في أعمال المؤتمر 18 الخارق للعادة" واجه حملة من القمع و انتهى بحالة استمرت لسنين عديدة، كانت فيها الساحات الجامعية تغلي إزاء حالة من "اللاشرعية" و القطيعة مع السياق الرسمي الموجود خارج أسوار الجامعة. كان وضعا في الأساس غير "طبيعي" و لم يكن في النهاية في مصلحة أحد غير أنه لم يكن هناك، حتى بعد النظر بأثر جعي بعد كل هذه السنين، خيار آخر أما حركة طلابية واسعة و مصممة على التمسك بمنظمة نقابية مستقلة.

كان في الحقيقة إجهاض مؤتمر قربة إجهاضا لتجربة فريدة بالنسبة لجيل شاب كان بالرغم من كل الاحلام الراديكالية التي تميز الكثير من أجنحته (و ليس كلها) قادرا على التعايش. و كان هناك ربما فرصة لأن يجرب ذلك الجيل أهمية تعديل كل الراديكالية التي يحملها مع واقع يحتاج التوافق على أرضية ديمقراطية دنيا حتى يمكن له الاستمرار. ربما لم يكن ذلك سيغير مجرى التاريخ خاص أما الفوران الايديولوجي لكثير من الفصائل الطلابية الذي كان يحتاج الكثير من الوقت و المآزق حتى يمكن استهلاكه. لكن حتى أقل الاحتمالات التي تفترض تأثير قمع هذه التجربة الفسيفسائة الوليدة يستحق منا التأمل، و الحسرة ربما.

مرت سنين عديدة حتى اليوم. و مرت الكثير من الفرص الأخرى، انشقت الساحة الطلابية و حركاتها إلى حركات و ملل ايديولوجية (إذ كان من الروتيني أن تنقسم الفرقة الايديولجية إلى اثنين في أحيان كثيرة) و حتى نقابتين، و بالتأكيد الكثير من الانفلات. إذ لم يعد من الممكن تمييز المجال الجامعي عن المجال السياسي. غير أن كل من حاول و يحاول الاعتماد على ذلك لتبرير عملية التقويم الامنية و القسرية التي جرت فيما بعد تنقصه الكثير من النزاهة. إذ أنه يتناسى أصل الوضع غير القويم: عجز السلطة عن عدم التدخل في التنظم النقابي و السياسي داخل الجامعة. كل ما حصل و يحصل و سيحصل ناتج بالأساس عن هذا الوضع أساسا. و هكذا عندما تم التوهم بـ"احتواء" الجامعة عبر تجريد الطلبة من حركتهم الطلابية و منحهم "قانونية" مفرغة من إمكانية الفعل النضالي لم يكن ذلك إلا مقدمة جديدة لتكرار، و لو بعناوين و بتفاصيل أخرى، ما حدث في الماضي. إذ أن أي محاولة لوجود منظمة نقابية نضالية و ذات عمق و تأثير تصطدم عند ذاك بوضع "اللاشرعية".. و هكذا نحن مرة أخرى في نقطة الصفر، إذ تعجز المنظمة النقابية عن عقد مؤتمرها حتى عندما قررت ذلك السنة الماضية في بنزرت.

مدونة أخرى تحجب... أو حجب محمد قلبي حتى و هو ميت


تتوالى الأمثلة على سياسة الحجب الواسعة المعتمدة إزاء صفحات الرأي بما في ذلك بعض المدونات التونسية... حجب يعكس استسهال "عمار" الرقيب عملية الحجب على أسس لا يمكن أحيانا حتى فهمها و تفسيرها... بعد إعادة حجب المدونة الثانية لفاطمة هاهو يقوم بحجب مدونة الصديق الصحفي منجي الخضراوي عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين و الصحفي في جريدة الشروق و ذلك للمرة الثانية... مدونة منجي تم حجبها قبل ذلك خلال نشرها بيانات النقابة و خاصة خلال الأزمة بين أعضاء النقابة "الموالين للسلطة" و النقابيين "المستقلين"... غير أن "عمار" قرر أن يحجبها هذه المرة بعد نشر نعي للصحفي البارع محمد قلبي الذي توفى الاسبوع الماضي.. صحفي تميز بالتحديد بصراعه الطويل مع الرقيب من خلال بطاقاته القصيرة الفكاهية "حربوشة" (جريدة "الشعب") و "لمحة" (جريدة "الصباح") و الذي يستحق تكريما واسعا و أن يصبح نموذجا يدرس في كليات الاعلام و الصحافة... غير أن "عمار" استهدف هذه المرة محمد قلبي و هو ميت... يزعجهم حتى وهو ميت... في جميع الأحوال لا يمكن حجب محمد قلبي فهو أكبر من "عمار" و مقصه كما أثبتت الاحداث... كما أن مدونة "مينيرفا" رجعت بمجرد الضغط على زر... لتعود في ثوب جديد
www.minerva3presse.blogspo
t.com

الصحفي محمد قلبي
و هذه أحد "لمحاته" حول الصحافة

إحالة:
إلى الوزيرة الحانقة على بعض الصحف المكتوبة... أرفع - بعد إذنها - هذه الكلمة «المزروبة».
إن كنت، سيدتي، تعتقدين أن الحديث عن النقائص ضرب من التشويه... وكنت تفضلين المقالات التي تبالغ في التنويه...
أعلمك بأنّ هذا ليس من مشمولات الصّحافيين الأحرار... وأحيلك بكل لطف واحترام إلى مصلحة الإشهار.

"لمحة" الصباح
30 جانفي 2009

و هذا رابط لحوار طريف أجرته مع جريدته "الصباح" في بداية التسعينات (نقلا عن مدونة زياد الهاني)
http://2.bp.blogspot.com/_mmacXJC9k8Q/S2nkc10zj-I/AAAAAAAAAR4/hEjmOK4FidY/s1600-h/journal.jpg

الثلاثاء، جانفي 26، 2010

صور للعدد التاريخي لجريدة الشعب الذي اعلن الاضراب العام 26 جانفي 1978


عدد جريدة الشعب يوم 25 جانفي 1978 يعلن الاضراب العام يوم 26 جانفي



لائحة الهيئة الادارية التاريخية التي اعلنت اضراب 26 جانفي 1978

يمكن الاطلاع على مزيد الصور في البوم الاخ لسعد المنشور على فايسبوك هنا

الاثنين، جانفي 25، 2010

ملاحظات برقية حول االترتيب الجديد (2009) لأفضل الجامعات في العالم--تقرير جامعة شانغاي


صدر منذ حوالي الاسبوع تقرير جامعة شنغاي حول أفضل 500 جامعة في العالم... الروابط التالية للاطلاع على التفاصيل
http://www.arwu.org/Statistics2009.jsp
http://www.arwu.org/ARWU2009.jsp
التقرير لاقى تعليقات مختلفة كل من زاوية اهتمامه.. هناك مثلا حلقة خاصة في برنامج "في العمق" في قناة الجزيرة استضافت عزمي بشارة ركزت على نقطة الوضع العربي و تأثير التمويل في هذا الوضع المتردي
http://aljazeera.net/NR/exeres/6068FDF6-07DD-4B82-A39A-0E8840EEE86B.htm

لدي بعض الملاحظات البرقية:

أولا، أن تقرير جامعة شنغاي ليس تقريرا مثاليا و لكنه الأكثر احتراما مع تقرير "التايمز" و لو أن الأخير يقدم ترتيبا يقتصر على 200 جامعة...
http://www.timeshighereducation.co.uk/Rankings2009-Top200.html
و عموما نجد نفس الميزات في التقريرين أي تواصل سيطرة انغلوسكسونية مع تقد جامعات آسيوية خاصة من اليابان و هونغ كونغ

ثانيا، هناك نقطة ربما غير معروفة و هي أن الترتيب لا يشمل اختصاصات "الفنون و العلوم" أي
schools of arts and sciences بما في ذلك اختصاصات الانسانيات.. ملاحظة ربما فيها طابع شخصي و هي أن الجامعة التي أدرس فيها جامعة روتغرس (جامعة ولاية نيو جيرزي) كان لها نفس الترتيب في التقريرين تقريبا أي 55 و بذلك تأخرت نقطة عن العام الماضي و هو وضع منسجم مع"جامعات الولايات" المعروفة

ثالثا، لأول مرة توجد جامعة عربية في تقرير شنغاي على قائمة الافضل 500 جامعة.. و هي بعكس الخطاب العربي الشعبوي الذي يحقر عادة من الخليج هي جامعة سعودية.. جامعة الملك سعود في الرياض.. لكن هنا يجب توضيح نقطة أساسية: هذه أول جامعة لم تتخصص في العلوم الدينية في السعودية و هي ركزت على علوم الهندسة خاصة لتكوين المهندسين العاملين في اختصاصات الجيولوجيا و البترول كما هي في علاقة مباشرة بقطب تكنولوجي كبير و هو
Riyadh Technology Valley
و الذي يتخصص في عدد من الاختصاصات التطبيقية خاصة الصيدلية و المعلوماتية.. هذا بالاضافة إلى أن الجامعة تمنح أجورا عالية بما جذب باحثين كبار ينشرون في الكثير من الدوريات العالمية و ذلك أحد معايير الترتيب المعتمدة

رابعا، لأول مرة نرى أيضا في ذات التقرير جامعة ايرانية (جامعة طهران) في أفضل 500 (في آخر الترتيب) و أعتقد أن هناك أسباب مختلفة بعض الشيء في الحالة الايرانية عن الحالة الساعودية.. إضافة للاستثمار المالي القادم من الدولة (و هنا الاستثمار في الميدان العلمي له أيضا علاقة بخيارات استراتيجية و سياسية معروفة) فإن في الحالة الإيرانية لدينا نظام تعليمي حديث قديم نسبيا بالقياس الى المنطقة.. إذ كان مع تركيا من بين أول الأنظمة التي قامت بالتحديث في العالم الاسلامي في منتصف القرن التاسع عشر.. و بهذا المعنى هناك بنية تحتية محلية قوية خاصة في العقول تم الاستثمار فيها مع التمويلات المالية الكبيرة.. بالمناسبة جامعة طهران أعلنت منذ سنوات أنها ستركز على دعم نشر بحوث جامعييها في أفضل الدوريات في العالم عبر تنسيق جهودهم و تمويلها بالشكل المطلوب

خامسا، في الحالتين الايرانية و السعودية لدينا نظاما سياسيا دينيا غير أن له جناح تعليمي (ممول من ذات النظام السياسي) يحدد معاييره بالأساس من خلال معايير حداثية دولية.. هذا التعايش مثير للانتباه و يستحق تأملا خاصا خاصة بالنسبة للتحليلات التي تستهل الحديث عن الفصل بين السياسي و الديني و تأثير ذلك على النظام التعليمي.. طبعا ليس ذلك نموذجا بشكل عام و لا حتى نموذجا لكل المنطقة العربية الاسلامية.. لأن لكل دولة تقاليدها و مميزاتها

سادسا، بالنسبة للجامعات الاسرائيلية: هناك رقم قياسي قياسا بوضع المنطقة ( و مرة أخرى لدنا هنا نظاما سياسيا مؤسس على مقولة دينية) هناك 7 جامعات في أفضل 500 بما في ذلك واحدة ضمن أفضل 100 جامعة (الجامعة العبرية في القدس).. التفسيرات مختلفة بما ذلك التمويل القادم من الدولة و لكن أعتقد أن أهم العوامل في رأيي العلاقة الوثيقة و التقليدية الآن بين الأوساط الاكاديمية الاسرائيلية و الشبكة الاكاديمية الانغلوسكسونية و هي الأفضل في العالم.. و بالتالي التمويل ليس النقطة الفاصلة في الموضوع و إلا لكانت أفضل الجامعات في المنطقة في أقطار خليجية

سابعا، افريقيا الآن و الوضع العربي في افريقيا و خاصة التونسي... الجامعات الافرقية الوحيدة المصنفة كما هي العادة هي الجنوب افريقية.. ذلك متناسب مع وضع تفوق جنوب افريقيا في مستوى الدخل القومي افريقيا.. لكن ذلك ليس العامل الوحيد (و إلا لكانت دول قريبة في الدخل القومي مثل نيجيريا و الجزائر و مصر قريبة من هذا الترتيب).. مرة أخرى يبدو عامل تقاليد و تاريخ الارتباط بالشبكة الانغلوسكسونية عاملا حاسما في هذا الوضع... و التحديث المبكر نسبيا في الميدان التعليمي و لو أن ذلك تم على أسس عنصرية في البداية و لازالت آثار ذلك متواصلة.. الآن سؤال المليون دولار و الذي لا أعتقد أن هناك إجابة واحدة عنه: ما الذي ينقص تونس؟ خاصة أن تحديث نظامها التعليمي كان مبكرا أيضا.. بالاضافة لعامل التمويل البديهي قياسا بامكانيات البلد فأعتقد أن استمرار الخيار الفرنكفوني و الفرنكفولي (في الرؤية المنهجية و اللغوية) و البعد النسبي عن الشبكة الانغلسوكسونية عاملا بديهيا.. و رغم بروز كوادر تونسية كثيرة (منهم الكثير من الوزراء الحاليين) المتخرجين من جامعات انغلوسكسونية إلا أن بروزهم يخفي عدم توازن كبير على المستوى الكمي بين الكوادر الفركنفونية و الانغلوسكسونية


هذه ملاحظات برقية.. تحتاج تفصيلا و تدخلا للمختصين في الميدان التربوي و مقارناته مع الوضع الدولي

الأربعاء، جانفي 20، 2010

بمناسبة ذكرى تأسيس الاتحاد: تعليق على شهادة ميليرو في اغتيال حشاد


طبعا مثلما أشر في تدوينة سابقة ذكرى تأسيس الاحاد تحيلنا على عدة أشخاص و تضحيات جماعية و ليست فردية لكن بالتأكيد الشهيد فرحات حشاد لعب دور طليعي في تأسيس هذه المنظمة النقابية العريقة عربيا و افريقيا و حتى دوليا (و هو الأمر الذي تحدثت عنه في نص تبعه نقاش ثري في مجموعة "تاريخ تونس" على فايسبوك على هذا الرابط)... بمناسبة هذا اليوم اتفقنا مجموعة من المدونين على تنشيط النقاش حول اغتيال حشاد و الشهادات الأخيرة الواردة حول الموضوع و العريضة (هنا نص العريضة و هنا قائمة الممضين) التي يتم ترويجها بهذه المناسبة من أجل أن يتحمل المجتمع المدني دوره الطبيعي في هذا المووضع بعيدا عن الحسابات السياسوية و "الوطنية المناسباتية" المحسوبة... خاصة أن موضوع ملاحقة قتلة حشاد هو موقف سياسي و ليس مسألة قانونية مجردة... أشير أيضا إلى أن المجموعة الخاصة بهذا الموضوع في فايسبوك (هنا) وصل عدد أعضاءها إلى أكثر من 2400 عضو.. و تجدون هناك في قسم التدوينات (هنا) آخر الاخبار الخاصة بجهود ملاحقة قتلة حشاد... على كل أردت بهذه المناسبة أن أنشر في مدونتي نص تعليقي على شهادة أنطوان ميليرو المكتوبة حول اغتيال حشاد و الذي سبق أن نشرته (هنا) مدونة "نعم لملاحقة قتلة حشاد"... و هي الشهادة التي وردت قبل سنوات من شريط "الجزيرة الوثائقية" و كنت أشرت إلى ذلك في أول تدوينة (هنا) حول هذا الموضوع

النص المصور للشهادة موجود هنا.. و فيما يلي تعليقي عليها

يجب بدءا الإشارة إلى أنه تم تصدير نص الكتاب بـ"تحذير" من كاتبه بما يلي: "هذا الكتاب يعتمد على شهادات خاصة و أيضا على تحقيقات قام بها كاتبوه"، بما يعني أن الكتاب يتضمن مساهمات لأكثر من شاهد و ليس لميليرو فحسب و بالتالي لا يمكن أحيانا أن نتثبت من دقة المصدر إذا لم تكن هناك إشارة بأنه ميليرو نفسه. النص الخاص باغتيال حشاد جاء في سياق حديث ميليرو عن تعقيدات الوضع في المغرب الأقصى و خاصة الظروف التي أدت الى اندلاع الانتفاضة المسلحة المغربية في شهر ديسمبر سنة 1952 ضد الاحتلال و التي كانت "شرارتها" من تونس و ليس من المغرب مثلما يؤكد الكاتب. يبدأ ميليرو حديثه بالتلميح إلى عدم ارتياح بورقيبة لبروز فرحات حشاد و الذي وصفه بأنه كان "على يسار" بورقيبة و بأنه كان "أكثر راديكالية" منه و أنه كان وراء "الثورة" التي أدت الى الاستقلال من خلال قدرته الخطابية على تحميس مستمعيه من موقعه على رأس المنظمة النقابية التونسية آنذاك "الاتحاد العام التونسي للشغل". في هذا السياق يدعي ميليرو بأن حشاد كان يتبع رؤية "ماركسية لينينية صارمة" (و هو غير صحيح كما هو معروف في الدراسات التاريخية عن حشاد) و هو ما أدى حسب ادعاءات ميليرو إلى استعداء مزدوج من قبل المستوطنين و أنصار بورقيبة على السواء. و جعل هذا الوضع حسب ميليرو حشاد في حالة من "العزلة" إلا من جهة الولايات المتحدة التي اختارت أن تدعمه خاصة من خلال الادارة الامريكية لهاري ترومان التي يقودها الحزب الديمقرطي. و برغم التناقض الواضح الذي يقع فيه ميليرو هنا (دعم الولايات المتحدة لنقابي "بلشفي" كما يسميه) فإنه لا يحاول حتى تفسير اشارته في نفس الفقرة إلى المعطى المعروف المتمثل في انضمام اتحاد الشغل بقيادة حشاد الى "السيزل" و هو التحالف النقابي الدولي المعادي للنقابات الشيوعية.

استهدف ميليرو من هذا التقديم الذي يحتوي على مغالطات بديهية أن يمهد للظروف السابقة مباشرة لعملية الاغتيال إذ يشير إلى أن الانتخابات الرئاسية الامريكية التي جرت في شهر نوفمبر 1952 و التي جلبت إلى البيت الابيض إدارة جمهورية بقيادة الجنرال إيزنهاور قررت التوقف عن دعم هذا "البلشفي". و أدى ذلك حسب ميليرو إلى أن حشاد أصبح معزولا عن "الجميع" و أن مسألة تصفيته أصبحت حينها مسألة وقت. هنا يواصل ميليرو ادعاءاته من خلال اعتبار قرار التصفية و زمنه مشتركا بين بورقيبة (و اتهام خطير هو لا يورد أي براهين عليه خاصة أن ميليرو ليس موجودا ضمن مواقع قرار القيادات التونسية) و رئاسة مجلس الوزراء الفرنسي الذي كان يقوده آنذاك اليميني (و المتعاون سابقا مع حكومة فيشي الموالية للنازية) هو أنطوان بيناي (Antoine Pinay). و يشير ميليرو هنا إلى الذي تم تكليفه بالتنفيذ هو "الفرع التونسي" لمنظمة "اليد الحمراء".

تجب الاشارة هنا إلى أنه في الوقت الذي لا يقدم ميليرو طيلة كتابه أي مؤشرات على أنه على علم بما يدور بخلد القايادات التونسية الوطنية بما في ذلك بورقيبة فإنه يشري بشكل واضح من خلال تقديم تواريخ و أسماء إلى العلاقة الوثيقة بين "اليد الحمراء" و أعلى هرم السلطات الفرنسية. يجب هنا التوقف برهة و الرجوع إلى الفصل الأول من الكتاب و الذي يشير فيه أنطوان ميليرو (تحديدا بين الصفحتين 28 و 29) إلى ظروف تأسيس "اليد الحمراء" سنة 1952 و مشاركة السلطة السياسية الفرنسية بما في ذلك أنطوان بيناي في ذلك. إذ يشير إلى أنه برغم "الاستقلالية الكبيرة" التي كانت تتمتع بها هذه المنظمة إلا أنها كانت تحت الاشراف المباشر للكولونيل مارسال أندري مارسيي (Marcel-André Mercier) بصفته قائد جهاز أمني رسمي و هو "جهاز التوثيق الخارجي و محاربة الجاسوسية" (Service de Documentation Exterieure et de Contre-Espionnage) المعروف باختصار (SDECE). و هنا يشير ميليرو إلى أن هذا الجهاز كان يخضع للاشراف المباشر آنذاك لرئيس الوزراء الفرنسي أنطوان بيناي (و لكن يسبق وجود هذا الجهاز بيناي إذ يرجع تأسيسه إلى نهاية سنة 1940، و سيتم تغيير اسمه من قبل فرانسوا ميتيران سنة 1981 إلى تسميته الراهنة "القيادة العامة للعمليات الخارجية" و المعروف باختصار "DGSE"). يمكن أن نضيف إلى ما قاله ميليرو أن الكولونيل مارسيي الذي كان مشرفا على عمليات المنظمة الارهابية وقت اغتيال حشاد و الذي كان معروفا بين الأوساط المخابراتية باسم "الصغير مارسيي" أقام خلال الخمسينات في سويسرا أين قاد خاصة عمليات مختلفة ضد "جبهة التحرير الوطني" الجزائرية بما في ذلك اغتيال عناصرها المشاركين في تهريب السلاح عبر المجال الأوروبي.

يمر ميليرو إثر ذلك إلى تفاصيل عملية الاغتيال ذاتها. التوقيت السابعة صباحا من يوم 5 ديسمبر 1952 و يشير هنا إلى اختفاء الملاحقة التي كان يتعرض اليها في الايام السابقة من قبل قاتليه. وصف ميليرو لعملية الاغتيال يعكس حقده الواضح على حشاد من خلال الاشارة إلى أنه "جن من الرعب" إثر اصابته برصاصات رشاش قادمة من سيارة يستقلها أربعة أشخاص. لكن ذلك لم يؤد إلى وفاته و حينها أتت سيارة أخرى من نوع "سيمكا أروند" (Simca Aronde) لونها أحمر يميل للبني (grenat) و أشار عليها حشاد بيديه (على شكل صليب) و هو وسط الطريق للتوقف. يوافق راكبوها الثلاثة على نقل حشاد و الذي لم يكن يعلم أنها سيارة التغطية للمجموعة التي قامت بالعملية. و هنا لا يذكر ميليرو ما تم بعدها سوى أن هذه المجموعة تركت جثة حشاد هامدة في أحد الحفر إثر إطلاق رصاصة قاتلة على رأسه.
يشير ميليرو هنا إلى الاتهام الفوري الذي وجهته جريدة "العمل" لسان "الحزب الحر الدستوري الجديد" إلى "اليد الحمراء". ثم يشير إلى كيفية اكتشاف هوية بعض القتلة من قبل الشرطة التونسية حديثة النشأة إثر تسرب الموضوع بعد أربع سنوات (1956) في أحد الحانات التي كانوا يرتادونها في مدينة تونس، حانة (Au Charentais) في شارع باريس. الأول يسمى جون لوسياني (Jean Luciani) تمت تصفيته و هو يستعد لإطلاق النار على أحد مقرات "الحزب الحر الدستوري الجديد" في أحد الضواحي الجنوبية لمدينة تونس. يصف هنا ميليرو ببعض التفصيل العملية و خاصة محاولة التهرب من افتضاح أمره للشرطة التونسية (من خلال تزوير احد الاطباء المتعاونين مع "اليد الحمراء" سبب الوفاة في تصريح الدفن الخاص بلوسياني) و هو الأمر الذي لم يتم تجنبه بما أدى إلى حملة اعتقالات في صفوف متعاونين مع لوشياني بما في ذلك ثلاثة من بين المشاركين في قتل حشاد و الذين يذكر ميليرو أسماءهم كما يلي: "Rouffignac Gilbert "، و " Ruisi Christophe"، و " Aouizerat Martial".

هنا يأتي القسم الأخير و ليس الأقل أهمية من الشهادة التي ينقلها ميليرو و المتعلقة بمصير القتلة الثلاثة الذين تم اكتشافهم و اعتقالهم من قبل الشرطة التونسية. يقول ميليرو أن هؤلاء تعرضوا لـ"التعذيب" من قبل الشرطة التونسية و أن السفير الفرنسي في تونس آنذاك روجي سايدو (Roger Seydoux) قام بكل ما وسعه لإشراك ضباط فرنسيين في التحقيق حتى لا يتم الاستفراد بهم. ميليرو ينقل في الفصل الأول (الصفحتين 31 و 32) مقتطفات من رسالة مؤرخة في 22 سبتمبر 1956 أرسلها سايدو في هذا السياق إلى كاتب الدولة الفرنسي للشؤون الخارجية المكلف بالشؤون المغربية و التونسية يشرح فيها وضع المعتقلين من "اليد الحمراء" و ضرورة تقديمهم أمام محاكم فرنسية و ليس تونسية. ميليرو يتعرض أيضا لجهود محامي المعتقلين لدفع رموز فرنسية للدفاع عن المعتقلين (مثل جون مورياك و الجنرال ديغول) لكن جهوده لم تؤد إلي أي نتيجة. و هنا يقول ميليرو أن المسؤول الفرنسي الوحيد الذي تدخل بحزم في هذا الموضوع و الذي "يتميز بالدفاع عن مواطنيه" هو وزير العدلية آنذاك (أي في سبتمبر 1956) فرانسوا ميتيران و الذي أشرف على تهريبهم بعد الافراج عليهم من خلال ميناء بنزرت. ميليرو يحمل مشاعر خاصة تجاه فرانسوا ميتيران ليس لمساهمته في تهريب عناصر "اليد الحمراء" المتورطين في اغتيال حشاد من تونس فحسب بل لأنه قدم وعدا بمنح العفو العام لكل من تورط في اتهامات خاصة بـ"اليد الحمراء" و هو ما جعله يدعو أصدقاءه للتصويت لميتران في انتخابات سنة 1981.
أخيرا يمكن القيام بملاحظات عامة حول هذا النص:

أولا، فيما يخص عملية اغتيال حشاد كانت هذه الشهادة المكتوبة غير مسبوقة من حيث بعض تفاصيلها و صراحتها عند نشرها سنة 1997 غير أنها لم تكن غير مسبوقة في بعض جوانبها خاصة في مسألة دور "اليد الحمراء" في العملية. تجب الاشارة هنا إلى أن تفاصيل عمل اليد الحمراء كانت في العادة غامضة بما في ذلك دورها في اغتيال حشاد إذ أن رواية السلطات الاستعمارية أصرت على فرضية "دور تونسي" في العملية. إذ أن أول إشارة من قبل "اليد الحمراء" في اغتيال حشاد ترجع إلى سنة 1960 عندما تم نشر كتاب في شكل روائي بعنوان "اليد الحمراء" لروائي سويسري هاوي اختص في النصوص البورنوغرافية و كان يعرف باسم بيار جينيف (Pierre Genève) و اسمه الحقيقي كورت-إيميل شفايزر (Kurt-Emile Schweizer) و الذي يبدو أنه اعتمد بشكل كبير على شهادة أحد مؤسسي "اليد الحمراء" المقيمين في سويسرا. و ترد تفاصيل واضحة في هذا الكتاب (بالتحديد في الصفحة 36) عن دور "اليد الحمراء" في عملية الاغتيال. الجديد في كتاب ميليرو الصادر سنة 1997 هو الطابع الصريح غير الروائي للشهادة و خاصة الدور الرسمي الفرنسي في قرار الاغتيال و تهريب القتلة بعد أربع سنوات من ذلك. غير أن الشهادة الشفوية المعروضة في شريط "اغتيال حشاد" (قناة "الجزيرة الوثائقية" يوم 18 ديسمبر 2009) تتميز بالاضافة إلى ذلك بأنها تحدد مسؤولية الاعتراف في شخص كان يعمل يعمل في "اليد الحمراء" لايزال حيا و بالتحديد على لسانه في حين أن مذكرات سنة 1997 برغم أن كاتبها الرئيسي ميليرو إلا أن الأخير حرص على تعدد المسؤولين على الشهادات الواردة فيها و على المساهمين في الكتاب بما يخلط الأوراق. كما أن الشهادة الشفوية تقدم لنا عمق الحقد الذي يتميز به ميليرو و أمثاله من خلال تأكيده على استعداده لإعادة العملية.

ثانيا، على عكس ما يعتقده البعض لم تمر الرواية التي وردت في كتاب ميليرو بصمت حتى ورودها شفويا على قناة "الجزيرة الثقافية". إذ تفطن لها بعض المؤرخين التونسيين و الإشكال الحقيقي هو أن الاعلام التونسي و أيضا المنظمة النقابية لم يلتقطا أهمية ما ورد في هذه الدراسات. و هنا أنقل عن الصديق و الزميل محمد ضيف الله أنه وقع الرجوع إلى هذا الكتاب على الأقل في ثلاث مقالات لمؤرخين تونسيين في الدورية التابعة لـ"معهد الحركة الوطنية" و هم على التوالي:

-محمد لطفي الشايبي، "ملاحظات حول موقف الاشتراكيين الفرنسيين من تطور تجربة فرحات حشاد النقابية (1936-1952)"، روافد، ع8، 2003، ، ص 95-119
-عبد الواحد المكني، "ظاهرة الاغتيالات السياسية في تونس الخمسينات: مثال الهادي شاكر 13 سبتمبر 1953"، روافد، ع9، 2004، ص 257-268، والإشارة إلى الكتاب وردت في ص 262 الهامش 19
-عميرة علية الصغير، "حول الاغتيال السياسي في المغرب العربي (1950-1970)"، روافد، ع 9، 2004، ص 269-286. وقد وردت الإشارة إلى الكتاب 4 مرات وذلك في الهوامش:33 ص 279 والهامش 35 ص 279 ثم الهوامش 36-37-38-39 ص 280 والهامشان 42 و43 ص 281

ثالثا، مسؤولية ميليرو الشخصية في العملية غير واضحة إلى حد اللحظة. عموما ينسب اليه عمليات اغتيال في المغرب الأقصى و الجزائر (حسب مقدمة مذكراته سنة 1997 صفحة 10). لدى ميليرو سيرة في الاجرام في مجال الحق العام و ليس السياسي فحسب إذ تم اتهامه في السبعينات في قضية قتل رجل أعمال. لكنه نجح عموما في إعادة رسكلة نفسه ضمن سلك البوليس الفرنسي و عرف باسم "مارتيني". لكن من المثير للانتباه أنه يتميز عن بقية الذين كتبوا عن "اليد الحمراء" بمعلومات أكثر استفاضة و دقة بالتحديد عن اغتيال حشاد هذا عدى عن تحمسه المتواصل حتى الآن لعملية الاغتيال. تجب الاشارة أيضا أنه لم يقدم أسماء كافة الذين شاركوا في عملية الاغتيال و اكتفى بمن كانوا مقيمين في تونس عند اكتشاف أحد خلايا "اليد الحمراء" سنة 1956 بما يعني أن بعض أسماء المجموعة الارهابية التي ضمت حسب شهادة ميليرو سبعة اشخاص غير معروفة الى الآن. و هذا يعني أن المعلومات الخاصة التي يملكها ميليرو و سابقية دوره في عمليات اغتيال و قدمه في المجموعة و تواصل الغموض حول بقية الأسماء تجعل ميليرو متهما مثاليا لايزال على قيد الحياة لعملية الاغتيال.

رابعا، من الواضح أن شهادة ميليرو تتم من خلال رؤيته الايديولوجية الاستعمارية و ليست شهادة محايدة. و من هذا المنظار تحديدا يجب أن نفهم إصراره على ترديد الرواية الاستعمارية التي تم إطلاقها منذ اغتيال حشاد يوم 5 ديسمبر 1952 و التي تدعي "دورا تونسيا" في عملية الاغتيال بما في ذلك الادعاء بمعرفة بورقيبة بالعملية لنفي المسؤولية عن الطرف الفرنسي. هذه الرواية الاستعمارية أيضا تعترضها مشكلة أساسية و هي أن تعتمد على تحليل مغالط لشخصية حشاد على أنه "عميل بلشفي" بما يجعله في خلاف ضمني مع قيادة الحزب "الدستوري الجديد" و هو الأمر غير الصحيح.

خامسا، رغم نية المغالطة الواضحة في الرواية الاستعمارية حول "دور تونسي" إلا انه من الضروري الآن أن يتم التحقيق في الارشيف الرسمي التونسي بما في ذلك المصالح الأمنية و العدلية للتعرف عما جرى في التحقيق مع المعتقلين من "اليد الحمراء" في شهر سبتمبر سنة 1956 و عن حقيقة الافراج عنهم برغم اكتشاف ارتباطاتهم بمنظمة "اليد الحمراء" و عملية اغتيال حشاد. إذ أنه حسب هذه المعطيات كان من الممكن محاكمة قتلة حشاد منذ ذلك التاريخ بما أن القتلة كانوا معتقلين لدى الشرطة التونسية حديثة النشأة و التي تمكنت من كشف خيوط خلية "اليد الحمراء".

سادسا، إن النقطة الرئيسية الواردة في هذه الشهادة المكتوبة أو في الشهادة الشفوية الصادرة على قناة "الجزيرة الوثائقية" هي أن عملية حشاد هي عملية إرهاب دولة. و أنها لا يمكن أن تقف عند شخوص المنفذين الذين مات أغلبهم بل تتجاوز ذلك للمسؤولية المعنوية و السياسية لدولة فرنسا. و أنها بعد كل ذلك و ذاك جزءا بسيطا من مشروع الارهاب الاستعماري الذي استهدف إجهاض مشروع التحرر الوطني.

الاثنين، جانفي 18، 2010

مصير إدارة أوباما أشبه بمصير إدارة كارتر---إسلام أون لاين

المصدر: موقع إسلام أون لاين (الدوحة – القاهرة) بتاريخ 18 جانفي 2010

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1262372432384&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

الكحلاوي: مصير إدارة أوباما أشبه بمصير إدارة كارتر
حوار - هادي يحمد


اعتبر الخبير الإستراتيجي الدكتور طارق الكحلاوي، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة روتجرز الأمريكية، في حوار خاص مع شبكة إسلام أون لاين. نت، أن العام الأول لتولي بارك أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن موفقا تماما في الملفات الثلاثة الخارجية الكبرى للولايات المتحدة، وهي الملف الأفغاني، والعراقي، والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

وأكد الكحلاوي أن الوعود الانتخابية التي أطلقها أوباما قبل وصوله إلى البيت الأبيض اصطدمت بتعقيدات الواقع، وبتركة الرئيس السابق، وبسياسات الولايات الأمريكية المتعاقبة؛ حيث بدا أن أقصى طموحات إدارة أوباما في العام الأول أن تركز على تثبيت الوضع القائم في بعض الملفات مثل الوضع في العراق ومواجهة إيران وحل الصراع في الشرق الأوسط، بينما بدا الملف الأفغاني الذي وعد أوباما بتغيير كبير فيه من أكثر الملفات التي لم تحقق فيها الإدارة، سياسيا وعسكريا، أي اختراق يذكر حتى الآن.
وفي تفسير ذلك يرى الكحلاوي أنه في مختلف ملفات الخارج التي تمثل أولوية لإدارة أوباما، كان هناك تكرار لنفس المعضلة، وهي رغبة الإدارة في إمساك العصا من المنتصف، الأمر الذي عكس ترددها في حسم ملفات خارجية ترى أنه يمكن تأجيلها مع احتمال تعثر معالجة الملفات الداخلية.

ورأى الكحلاوي أنه بمضي الوقت سوف تعمد إدارة أوباما إلى اتباع نهج إدارة كلينتون الذي أجل ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى نهاية عهدته الرئاسية، كما أن الوضع العراقي لم يتغير كثيرا، ومن الأرجح أنه سيتفاقم لاحقا، رغم بعض الإنجازات المحدودة التي تعود أصلا للإدارة السابقة، بينما الملف الأفغاني - الباكستاني سيبقى على ذات العقدة المستعصية، أما إيران فإنها ربما تحدد مستقبلا مصير الإدارة الحالية وبقاء أوباما والديمقراطيين في سدة الحكم من عدمه.

وبالنظر إلى تزايد فرص فشل أوباما في معالجة كافة هذه الملفات، يلفت الكحلاوي النظر إلى ما نبه إليه بعض المراقبين الأمريكيين من أن الإدارة الأمريكية تواجه مصيرا أقرب لإدارة كارتر التي لم تنجح في أواخر السبعينيات من القرن العشرين في الحد من تفاقم الصعوبات الاقتصادية مقابل الأخطاء الكبيرة في معالجة الشأن الخارجي، وخصوصا أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران في أعقاب قيام الثورة الإسلامية.
وفيما يلي الحوار كاملا:

* بداية كيف تقيمون أداء الرئيس أوباما في تعاطيه مع ملف الصراع العربي – الإسرائيلي، خاصة أن هناك آراء في العالم العربي تذهب إلى أن الوعود التي أطلقها قبيل وصوله للرئاسة والطموحات الكبيرة بحل عادل اصطدمت في النهاية بالواقع وبالتعنت الإسرائيلي؟.

من الضروري في البداية أن نتذكر أنه برغم حالة التفاؤل العامة التي عمت المنطقة باعتلاء أوباما سدة الرئاسة، إلا أن رؤية فريق الإدارة الجديدة لهذا الملف بالتحديد كانت غامضة في أحسن الحالات، وكنت قلت على صفحات "إسلام أون لاين. نت" قبل حوالي عام أن هذا الملف لا يوجد على رأس أولويات الإدارة الأمريكية في رؤيتها لـ"الأمن القومي" بمعزل عن كل الإشارات الخطابية في هذا الصدد.
والحقيقة فإن كل المؤشرات التي أرسلتها هذه الإدارة خلال العام المنصرم أكدت تحديدا هذا التوجه، وبمعنى آخر يبدو لي أن أهم ما يميز أداء إدارة أوباما إزاء هذا الملف هو غياب الرغبة في التغيير لأجل الحفاظ على الوضع القائم مثلما وجدته مع انتهاء الحرب على غزة. وعموما نجح المكلف الرئيسي بهذا الملف، أي مبعوث الإدارة إلى المنطقة جورج ميتشيل، في القيام بهذه المهمة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن ذلك هو الهدف النهائي لهذه الإدارة، لكنه بدون شك الهدف الذي تم رسمه في المرحلة الحالية؛ فنحن هنا لسنا بصدد فشل في تحقيق مشروع محدد، بل بصدد غياب الرغبة في تحقيق أي مشروع وفي ذلك "حل الدولتين".

يشير البعض إلى إصرار الإدارة حتى أشهر قليلة ماضية على "وقف الاستيطان" كأحد شروط إحياء "عملية السلام" مقابل رفض حكومة نتنياهو لذلك، غير أن ذلك لا يعني أن فريق أوباما حاول تفعيل مشروع ما اصطدم في المقابل بـ"تعنت إسرائيلي".
إن ما يجري على الأغلب عمليات استكشاف لأوضاع بديلة، لكن لم تكن مرفقة -خاصة في علاقته بإسرائيل- بأي مؤشرات على رغبة جدية في الضغط، وما بدا أنه "تراجع" للإدارة عن مبدأ وقف الاستيطان هو في نهاية الأمر وقف لإحدى المناورات التي تستهدف إشغال مختلف الأطراف بحالة من الحراك الظاهري، في حين أن الهدف الفعلي يبدو الحفاظ على الوضع القائم، بل وتدعيمه، خاصة في الجانب الفلسطيني.
وإذا تابعنا ممارسات الإدارة الأمريكية، خاصة في الأشهر الأخيرة، تتكشف بشكل أكثر وضوحا أنها اتجهت بالأساس للحفاظ على وضع دعم سلطة "رام الله" من خلال تقوية خطة الجنرال دايتون الأمنية، مقابل الحفاظ على وضع عزل "الحكومة المقالة" في غزة، من خلال الموازنة بين دعم "وضع الهدنة" ودعم سياسة العزل في ذات الوقت.

وفي هذا السياق قامت إدارة أوباما بتنفيذ الاتفاق الذي التزمت به الإدارة السابقة مع الطرف الإسرائيلي إثر الحرب على غزة، أي إحكام الحصار عبر البحر، والآن عبر تمويل والمساعدة في بناء "الجدار الفولاذي" على الجبهة المصرية... الأنباء التي وردت في بعض المنابر حول عمل ميتشيل خلال الأسابيع الأخيرة على منع اتفاقية تبادل الأسرى تتضمن أسماء كبيرة من مختلف أطراف المشهد السياسي الفلسطيني مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات -بما يمكن أن يدعم موقف "حماس"- يجب أن لا يكون مفاجئا، إذ هو أيضا تعبير عن نفس الرغبة في الحفاظ على الوضع القائم خاصة من الجانب الفلسطيني.

وفي هذا الإطار من الواضح أن مبدأ "الحوار مع الأعداء" الذي تصدر -بلاغيا- إستراتيجية الرئيس أوباما لم يشمل "حماس"، إذ لا يزال مشروطا بقبول حماس بـ"شروط الرباعية".
في المقابل وكما يجب أن يكون متوقعا، لا يبدو أن هناك ذات الحزم مع الجانب الإسرائيلي، خاصة مع تواصل بناء المستوطنات بدون قيام إدارة أوباما بأية مبادرة عملية تعكس جديتها في خصوص رفضها تواصل الاستيطان.

* هل يعني ذلك أنه لن توجد تغييرات في السياسة الأمريكية في هذا الملف؟

باستثناء الملفات المتعلقة بعمليات عسكرية فورية تستلزم قرارات آنية، فإن ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مثل غيره من ملفات السياسة الخارجية هو رهين تفرغ أكبر من الإدارة الأمريكية من تركيزها على الملفات الداخلية. "المهلة" التي يتم الترويج لها من قبل الإدارة الأمريكية منذ أسابيع والتي تصل حسب بعض التسريبات إلى ثلاثين شهرا تعني أننا إزاء "مهلة" ليس للأطرف المعنية في المنطقة، بل "مهلة" للإدارة تسمح لها بالسباحة عبر المستنقعات الصعبة للملفات الداخلية، وبما يسمح لها الموازنة بين إشغال الأطراف الإقليمية عن أية مبادرات تحدث تغييرات دراماتيكية وعدم القيام بأي أخطاء كبيرة تؤثر على حظوظ الرئيس أوباما في الانتخابات الرئاسية القادمة.
هنا أصبح من الصعب في الحقيقة ألا نأخذ بجدية التكهنات المتزايدة التي تتحدث عن عزم أوباما اتباع ما قام به الرئيس كلينتون عندما أجل أي تدخل جدي في هذا الملف حتى نهاية عهدته الثانية؛ وهو الأمر الذي يجب أن لا يكون مستغربا؛ بسبب الثقل الخاص للموظفين السابقين في إدارة كلينتون في الإدارة الحالية، وفي ذلك في الشئون الخارجية.
لكن أسباب قيام أوباما بمثل هذا التأجيل لن تكون بهذه البساطة؛ إذ إن الثقل الكبير للملفات الداخلية، سواء الاقتصادية أو الأمنية، يجعل سياسة تأجيل النظر في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي سياسة منتظرة إلا إذا حدثت تطورات وسلسلة ردود أفعال تخرج عن السيطرة تؤثر على التوازنات العامة في المنطقة.
في المقابل هناك بعض المؤشرات على بدء الإدارة الجديدة في تغيير الظروف العامة للعلاقات الأمريكية - الإسرائيلية في اتجاه كسب وسائل ضغط على الطرف الإسرائيلي منها: أن تلميح ميتشيل الأخير باحتمال استعمال سلاح نزع "ضمانات القروض" لم يكن اعتباطيا، وهو تعبير عن العقلية الأخرى التي نجدها في إدارة أوباما المتأثرة بسياسة الرئيس بوش الأب، والذي سبق له استخدام نفس أسلوب الضغط، لكن أهم مؤشر على رغبة الإدارة في خلق ظروف جديدة تسمح لها بضغط أكبر على تل أبيب نجده في الثقل الذي ساهمت فيه لصياغة لوبي إسرائيلي بديل في واشنطن عن اللوبي التقليدي "إيباك".

التطرف الإسرائيلي.. عقبة رئيسية أمام أوباما


لقد كانت الظروف المحيطة بتأسيس "جاي-ستريت"، تعبيرا عن الصراع داخل مجموعة بدت أنها "كتلة صماء" تدافع بدون تمييز عن السياسيات الإسرائيلية. مواقف "جاي ستريت"، وهي منظمة متكونة أساسا من يهود أمريكيين ذوي ميول ديمقراطية وأيضا ميول جمهورية معتدلة ليست "ثورية"، ولا تقطع مع بديهيات إسرائيلية من نوع "الدولة اليهودية".. لكنها في ذات الوقت تتخطى خطا أحمر عادة في السياق الأمريكي هو الدعوة لضرورة التفريق بين "اللاسامية" ونقد السياسات الإسرائيلية وفي ذلك محاولات الالتفاف على "حل الدولتين".
وفي هذا الإطار يأتي تأكيد المنظمة على موقف وقف الاستيطان في انسجام مع خطاب الإدارة الحالية، وكان حضور الجنرال جيمس جونس، مستشار أوباما للأمن القومي، الجلسة التأسيسية للمنظمة في أكتوبر 2009 رسالة واضحة لأهمية هذه المنظمة في أجندة الإدارة الحالية، وذلك رغم الضغوطات الكبيرة التي مارستها "إيباك" لتهميش الحدث ومقاطعة الهيئات الرسمية الإسرائيلية للحفل.
وقد أخذ الموضوع بعدا إعلاميا واسعا عند حدوث الصدام بين حنا روزنتال المشرفة على "محاربة اللاسامية" في إدارة أوباما والعضوة السابقة في "جاي-ستريت" مع السفير الإسرائيلي في واشنطن حول أهداف المنظمة.
هناك أيضا مؤشرات أخرى تخص محيط الإدارة والأجواء العامة المحيطة بها، وعلى سبيل المثال لو تمعنا في أداء المؤسسات البحثية الأكثر قربا من الإدارة الحالية مثل "مركز الأمن الأمريكي الجديد" (The Center for New American Security) نلاحظ استيعابه لوجوه برزت في السنوات الأخيرة بتعبيرها عن رؤية بديلة للوضع في المنطقة، وفي ذلك معرفة دقيقة بأوضاعها ونقدها الروتيني للسياسات الإسرائيلية مثل الأستاذ في جامعة جورج تاون مارك لينش، والذي لم يكن من الممكن قبل سنوات قليلة أن نتخيل وجوده في مثل هذه المراكز البحثية القريبة من صنع القرار.
من اللافت أيضا تغير لهجة بعض الوجوه التي اتسمت بلغة محافظة عادة في هذه الأوساط مثل الباحث في نفس المركز روبرت كابلان في شهر أغسطس الماضي (مجلة "الأتلنتيك" 3 أغسطس 2009) عندما عدد الأسباب التي تشير إلى ضرورة تغير العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، خاصة التخلي عن النظر إلى إسرائيل على أنها ذات موقع "عاطفي" وإستراتيجي خاص في الرؤية الأمريكية للمنطقة، تستوجب الانحياز اللامشروط لسياساتها.

* ننتقل إلى الملف الأفغاني، خاصة أنه كان جوهر الحملة الانتخابية في مقاومة الإرهاب بالنسبة لأوباما.. كيف ترون محصلة عام، لاسيما أن عدد الجنود الأمريكيين القتلى وصل إلى أعلى مستوياته منذ بداية الحرب في عام 2001؟.

الملف الأفغاني يجب مقاربته في الحقيقة بوصفه الملف "الأفغاني-الباكستاني"، والذي أصبح يتم الحديث عنه بمختصر "أف-باك"، خاصة على خلفية تداخل تنظيمي "طالبان" أفغانستان و"طالبان" باكستان وانتشار تنظيم "القاعدة" بين ضفتي الحدود الباكستانية - الأفغانية على مدى "التخوم" الشفافة (بشريا وجغرافيا) بين البلدين.
ومثلما ذكرت على صفحات هذا الموقع منذ حوالي عام، فإن هذا الملف على رأس أولويات الملفات الخارجية للإدارة الحالية، فهو مؤشر حقيقي عن موقع السياسة الخارجية بالنسبة لاختيارات هذه الإدارة، إذ على أهميته الاستثنائية بما أنه ملف عسكري يستوجب قرارات حاسمة وواضحة، وليس مجرد ملف سياسي؛ فقد استغرق الرئيس في مشاورات طويلة نسبيا في مختلف الاتجاهات حتى يمكن له التسويق الداخلي لزيادة في عدد القوات لا يمكن وصفها بأنها ضخمة، وهو ما يعكس الحساسية الكبيرة التي توليها الإدارة للوضع الداخلي وردود الأفعال المحلية.
وعموما انقسم هذا العام إلى مرحلة أولى تمثلت في استكشاف الوضع "الأفغاني-الباكستاني"، خاصة المساهمة في إعادة ترتيب التوازنات السياسية الداخلية في كل منهما والتشاور حول الخطة البديلة، ثم في مرحلة ثانية، وهي متواصلة الآن، أي تنفيذ الخطة البديلة (نفس الخطة التي تم تطبيقها في العراق مع تغييرات طفيفة)، والمتمثلة في الترفيع من وجود القوات وتكثيف حركتها خارج قواعدها، سواء في عمليات عسكرية أو في التواجد بين الأهالي.
ويشار هنا إلى أن وضع سقف زمني لتنفيذ الخطة، حتى في سياق الحديث على أنه عمليا سقف زمني مرتهن بنجاح الخطة، وليس حدا جامدا، إنما يعكس مرة أخرى الحساسية الكبيرة التي توليها هذه الإدارة لردود الفعل الداخلية، خاصة أننا على أبواب الانتخابات التشريعية في الولايات المتحدة.
من الواضح أن التطورات الأخيرة لا تشير إلى بداية ناجحة للخطة الجديدة، خاصة بعد عملية "خوست"، وتكرار سقوط جنود أمريكيين في المواجهات مع "طالبان"، ولو أن القيادات العسكرية الأمريكية تؤكد أن الخطة في بداية تنفيذها، وأن زيادة القوات التدريجية لم تكتمل بعد، بما يمكن اختبارها بشكل جدي، لكن هناك أيضا معطيات أخرى -إضافة للتطورات الميدانية- تجعل الإستراتيجية الجديدة محل تساؤل.. مثلا يقول الجنرال جيمس جونس إن عناصر "القاعدة" الناشطين في أفغانستان لا يتعدون المائة شخص، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الزيادة في القوات كوسيلة ناجعة لضرب الطرف الأساسي الذي يبرر الوجود الأمريكي هناك.
وكذلك ثمة عدم واقعية في بعض أهداف خطة الزيادة في القوات مثل رفع عدد الجنود الأفغان إلى 240 ألف جندي بدلا من العدد الحالي الذي لا يتعدى 90 ألفا.. المشكل الأساسي هنا هو أن العماد الأساسي للجيش الأفغاني يتمثل في الأقلية الطاجيكية (25% من عدد السكان) التي تمثل 41% من عدد الجنود.. والأهم أنها تشكل حوالي 70% من قيادات الألوية، وفي المقابل فإن الجزء الرئيسي من التركيبة السكانية الأفغانية (أي قبائل البشتون) ليسوا ممثلين بشكل متناسب في الجيش، وهذا يعني أن الاعتماد على جيش طاجيكي بالأساس في حرب تدور أساسا في مناطق بشتونية المساهمة في دفع البشتون للاصطفاف أكثر مع "طالبان" على أسس عرقية وليس أيديولوجية بحتة.. هذا إضافة إلى أن حكم أفغانستان كان تاريخيا يتم بتوازن دقيق بين مختلف مكوناته وأطرافه، وليس من قبل حكومة مركزية، خاصة إذا كانت تعتمد على مكون عرقي أكثر من بقية المكونات.
هناك إشكال آخر كبير أيضا يقف عائقا أمام نجاح خطة الإدارة الجديدة، وهو أن "طالبان" ليست كتلة صماء؛ مما يجعل أي شراكة أمريكية-باكستانية تقف على أرض غير صلبة؛ إذ إن الحكومة الباكستانية ليست في حرب مع كل "طالبان" باكستان، بل مع بعض أجنحتها، خاصة تلك المتركزة في جنوب وزيرستان (بقيادة آل محسود)، في حين تتجه تصريحات قيادة "طالبان" أفغانستان بقيادة الملا عمر بأن "العدو الرئيس" الذي تواجهه هو الوجود الأمريكي، وأنها ليست مستعدة للانخراط في صراع مع الحكومة الباكستانية.. وهذا يعني عمليا أن فرص عقد الباكستانيين لصفقات مع "طالبان" كبيرة، خاصة في سياق تاريخ العلاقات الوطيدة بين الطرفين، في حين أن مختلف أجنحة "طالبان" تبدو على عداء مع الوجود الأمريكي.

* في الجهة العراقية.. ومع تجدد أعمال العنف في العراق والعمليات الانتحارية.. كيف تقيمون عمل الإدارة الأمريكية مع أوباما حتى الآن في خصوص هذا الملف؟.

الأرقام عموما في العراق لم تتغير كثيرا في عام 2009 مقارنة بعام 2008.. مثلا حسب آخر المعطيات التي قدمها "مؤشر العراق" (Iraq Index) التابع لمؤسسة "بروكينجز"، فإن رقم الضحايا المدنيين من العراقيين جراء التفجيرات كل شهر بقي في نهاية سنة 2009 في نفس مستواه مع نهاية سنة 2008 (أي بين 250 و350 قتيلا). لكن هذا طبعا رقم مرتفع، ولا يعكس "حالة من السلم"، لكنه أيضا لا يقارن بما كان عليه الوضع مثلا سنة 2007 عندما كان هذا الرقم يتجاوز بشكل روتيني الألفي ضحية.
أما الأرقام المتعلقة بالهجمات المعلنة ضد القوات الأمريكية وحلفائها بدت حتى أقل بعض الشيء مما كان عليه الوضع عام 2008؛ إذ تتراوح بين 150 و200 عملية في الأسبوع.. ومرة أخرى لسنا هنا بصدد "حالة سلم"، لكن لا يمكن مقارنة ذلك أيضا بما كان عليه الوضع في السنوات السابقة بما في ذلك سنة 2008.
والأرقام الخاصة بعدد القتلى من الجيش والشرطة العراقيين انخفضت بشكل ملحوظ مقارنة حتى بسنة 2008؛ إذ كانت عموما بمعدل 40 قتيلا شهريا.. لكن ذلك أيضا يعني أن الوضع ليس "مستتبا".
إن كل هذه الأرقام تشير إلى نقطة أساسية، وهي أن تراجع حدة المواجهة العسكرية لا يمكن أن يعني انتفاءها بسبب تواصل وجود وضع احتلال مرفوض من قبل قطاعات مؤثرة في صفوف الشعب العراقي.
وفي اعتقادي يجب بداية محاولة القيام بتقييم دقيق للوضع العراقي.. هناك ثلاث مسائل لا يمكن تجاهلها: الأولى انحدار وضع "القاعدة" في العراق، والثانية محدودية انخراط التحالف العربي السني في العملية السياسية التي ترعاها الولايات المتحدة، والثالثة تأثير الصراع داخل التحالف الشيعي التقليدي على التركيبة السياسية التي تم إرساؤها في ظل الاحتلال. والمسألتان الأخيرتان ستحسمان ما ستئول إليه الانتخابات التشريعية المقررة هذا العام.
بالنسبة للمسألة الأولى هناك ما يكفي من المعطيات الآن، وفي ذلك ما نشر من الوثائق الداخلية لـ"القاعدة" في العراق، من أن هذا التنظيم لم يعد يقدر على أن يكون رقما صعبا في المعادلات العراقية؛ إذ إنه -وبمعزل عن قيمة التأثير العسكري الأمريكي- فإن الوضع الذي آلت إليه "القاعدة" كان نتيجة بالأساس لقرار الأخيرة تقويض شرط وجودها العراقي، أي أسس التحالف الواعية أو الضمنية مع تحالف واسع فيما بين العرب السنة، من خلال التعالي على أسباب انخراط هؤلاء في الصراع ضد الاحتلال، وعلى تركيبتهم القبلية المعقدة، والتوهم أن "القاعدة" يمكن أن تملي على الجميع شروطها؛ وبالتالي كان عام 2009 بالنسبة لإدارة أوباما خال من "القاعدة" في العراق، وربما كانت تلك إحدى المزايا النادرة التي خلفتها الإدارة السابقة للإدارة الحالية.
غير أن عام 2009 بالنسبة للإدارة الأمريكية في العراق هو عام بداية تخلخل التحالف العربي السني الذي كان يمكن أن ينخرط في العملية السياسية بعد أن رفع الغطاء عن "القاعدة"، وربما تجسد ذلك حتى من خلال احتمال عودة بعض ممن كانوا يعملون مع القوات الأمريكية تحت تسمية "قوات الصحوة" إلى صفوف العمل المسلح ضدها خاصة إثر استهدافهم من قبل المؤسسات الأمنية التابعة لحكومة المالكي التي تسيطر عليها غالبية شيعية وترفض إدماج هؤلاء ضمن القوات الحكومية.
وعلى الأرجح فإن القرار الأمريكي بـ"الانسحاب" أو ما يعرف بـ"اتفاقية وضع القوات" (SOFA) لم يكن كافيا، ولم يلب الانتظارات السياسية للفصائل العراقية المعادية للاحتلال، خاصة ضمن المجال العربي السني؛ إذ إن تغيير تسمية قوة هائلة من الجنود يمكن أن تصل حتى 50 ألفا بعد "نهاية الانسحاب" بحلول نهاية عام 2011 بأنها "قوات للاستشارة والمساعدة" لم يكن يعني على الأغلب "انسحابا" بالنسبة لهذه الفصائل.. وهذا في حالة تم الالتزام بجدول الانسحاب مع العلم أن عدد القوات الآن لا يزال يفوق مائة ألف، هذا عدا عن الصمت حول وضع ودور القوات المتضخمة للشركات الأمنية المثيرة للجدل، والتي تجاوزت 130 ألف عنصر، وفي ذلك أكثر من 30 ألفا يحملون الجنسية الأمريكية، وكذلك هناك غموض حول وضع القواعد الأمريكية داخل العراق، والتي يتجاوز عددها 280 قاعدة، والتي بصدد التوسع في المجالات الريفية بعيدا عن المدن منذ إعلان "اتفاقية وضع القوات".

هل يتراجع أوباما عن الانسحاب؟

وفي هذه السياقات الغامضة من غير المفاجئ أن يتراجع القادة العسكريون الأمريكيون عن الانسحاب وفق الجدول المحدد مثلا في شهر مايو 2009 من إحدى القواعد الكبرى في بغداد من خلال إعادة تعريف المجال الجغرافي للقاعدة، واعتبار أنها لا توجد ضمن بغداد.
وعموما فإن هناك مزاجا عاما يجمع العرب السنة والشيعة في رفض استمرار وجود القوات الأمريكية في العراق، ولا يبدو ذلك غائبا عن صانع القرار الأمريكي؛ إذ عبر أكثر من 70% من العراقيين (في عينة تعكس التنوع المذهبي والعرقي العراقي) في آخر استطلاع رأي تم إنجازه من قبل مؤسسات إعلامية أمريكية على رأسها شبكة "أي بي سي" (في فبراير 2008) عن رفضهم لوجود هذه القوات.
ومن الواضح أن جهود حكومة المالكي الناجحة لتأجيل الاستفتاء حول "اتفاقية وضع القوات"، والذي كان مزمعا إجراؤه في يوليو 2009 يعكس شعورا بأن غالبية عراقية ترغب في اتفاق واضح يضمن انسحابا مبكرا يختلف عن الاتفاق الذي تم توقيعه.
وبرغم هذا التأجيل فإن الصراعات المتفاقمة في المشهد السياسي العراقي خاصة ضمن التحالف الشيعي التقليدي تعكس هشاشة العملية السياسية الراهنة لا غير، وتزداد كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية في مارس 2010، و أيضا كلما زاد الاضطراب في الداخل الإيراني الذي يترك تأثيره بالضرورة على وحدة المشهد الشيعي العراقي.
عموما وبشكل يشبه ما يحدث في علاقة إدارة أوباما بملف الصراع العربي – الإسرائيلي، فإن الرؤية الأمريكية للوضع في العراق تتجه للحفاظ على الوضع القائم، وتأجيل كل ما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التعقيدات الحالية، برغم أن هذا التوجه تحديدا سيؤدي في النهاية إلى تفاقمها بالفعل.

إذن يمكن القول إن إدارة أوباما لم تتمكن في عامها الأول من إنجاز تقدم يلحظ في أي من الملفات السابقة، بل إنها تعمد لتكتيك تأجيل حسم هذه الملفات لا أكثر..؟

في مختلف هذه الملفات السابقة لدينا تكرار لنفس المعضلة؛ إذ إن ثمة رغبة من الإدارة الحالية في أن تمسك العصا من الوسط، وهذا يعكس ترددها في حسم ملفات خارجية ترى أنه يمكن لها أن تؤجلها مع احتمال تعثر معالجة الملفات الداخلية (وفي ذلك ارتباطها من جهة الإنفاق المالي بالملفات الخارجية)، وتفاقم الملفات الخارجية يمكن أن يؤدي إلى التأثير على شعبية الإدارة الحالية وحظوظها في الحصول على عهدة رئاسية جديدة.
وقد نبه بعض المراقبين الأمريكيين الإدارة الأمريكية من هذا المصير، مشيرين بشكل خاص إلى ما حصل مع إدارة كارتر عندما لم تنجح في الحد من تفاقم الصعوبات الاقتصادية مقابل الأخطاء الكبيرة في معالجة الشأن الخارجي، وفي ذلك قضية "الرهائن الأمريكيين" في السفارة الأمريكية في طهران آنذاك إثر اندلاع الثورة الإيرانية.