الأربعاء، جوان 03، 2009

عودة «اليسار الثوري».. «الماوية» نموذجاً (3-3)


الحلقة الثالثة و الاخيرة من المقال في "العرب" القطرية 31 ماي
الرابط


عودة «اليسار الثوري».. «الماوية» نموذجاً (3-3)

طارق الكحلاوي

شخصنة الأيديولوجيا، ومن ثمة تركز أيديولوجيا التنظيم الماوي في أيديولوجيا عبادة الشخصية، هي مجرد مظاهر لواقع أكثر مدعاة للانتباه وهو شخصنة الحزب وبالتالي التهيئة لشخصنة الدولة الجديدة وتمركز سلطاتها في أيدي شخص واحد، ومن ثمة ارتهان الجميع بحياة ذلك الشخص ومصيره البائد. فمثلما توقفت الماوية في الصين عند وفاة ماو توقفت الماوية في بيرو أو تزعزعت إلى حد كبير في أقل الأحوال عند اعتقال غوزمان. إذ إن صدمة موت الشخص أو وقوعه في الأسر تضرب في الصميم صدقية طروحاته الإطلاقية والخلاصية. طبعاً تاريخياً هذه صفات تنظيمات «يسارية ثورية» أخرى (ليس الماوية فحسب) بل أيضا صفات تنظيمات ودول غير يسارية أصلاً. لكنها تعتبر ركيزة أساسية في تركيبة أي مسيرة سياسية ماوية. الإيمان الضمني بقدرة شخص ما على استكشاف الطريق إلى المستقبل هي الضمانة الرئيسية لوحدة الحزب واستمرار الثورة. والاطمئنان لذلك الإيمان هو الأداة الشعبوية الأكثر جبروتاً لضمان طاعة الجمهور.
شخصنة الأيديولوجيا هي أيضاً ركن أساسي في تركيبة التنظيم الماوي الأكثر نجاحاً من الناحية السياسية في الوضع الراهن أي «الحزب الشيوعي الموحد لنيبال- الماوي». النيبال ذلك البلد الصغير الذي لا يكاد يظهر من الناحية الجيوسياسية وهو المحاط بالعملاقين الصيني والهندي وبرغم حتى تموقعه في أعلى نقاط العالم، أعالي جبال الهيمالايا. ولهذا حدث بأهمية وصول تنظيم «يساري ثوري» وماوي تحديداً إلى السلطة في نيبال سنة 2008 لم يبدُ خبراً رئيسياً في نشرات الأنباء. لكن مسيرة هذا الحزب ذات الخاصيات المثيرة للانتباه وظروف مجيئه إلى السلطة ربما تطرح أكثر تجربة تجديدية من بين الحركات الماوية الراهنة برغم تلبسها بخاصيات هذه الحركات، بما في ذلك عبادة الشخصية التي هي جزء رئيسي من هوية الحزب. وقد تأسس الحزب (تسميته الأصلية «الحزب الشيوعي لنيبال- الماوي») سنة 1994 كتجمع لتنظيمات ماوية صغيرة كانت ناشطة طيلة الثمانينيات. ولم تمر سنتان لكي يعلن بدء «حرب الشعب» على الملكية النيبالية المتعفنة والغارقة في الفساد والتي أغرقت معها بقية البلاد في فقر مدقع. ومنذ البداية برز شهابلال كمال داحال المعروف بلقب «براشندا» (Prachanda) كأبرز قياديي الحزب ليقع اعتماد موقع خاص له أكبر من أي موقع قيادي آخر، إذ بعد وصوله لمنصب «الأمين العام» للحزب تم إحداث منصب خاص به (زعيم الحزب) ليملك معه صلاحيات خاصة. خصوصية هذا الموقع جاءت بعد اعتماد الاستراتيجية التي اقترحها براشندا على أحد المؤتمرات الأساسية للحزب وبناء عليها تم تلخيص عقيدة التنظيم في شعار «الماركسية اللينينية الماوية- درب براشندا».
ليس هناك شك أن تجربة الحزب كانت منذ تشكلها الجنيني حتى إعلانها «حرب الشعب» متأثرة إلى درجة كبيرة بتجربة ورؤى بل وحتى تسمية «الحزب الشيوعي لبيرو» (الدرب المضيء). لكن الشخصنة الأيديولوجية في التجربة الماوية النيبالية ذات خصوصية نظرية يمكن أن تبدو تجديدية للوهلة الأولى. لم تكن «حرب الشعب» النيبالية بأي حال «حفلة عشاء» إذ مات ما يزيد عن 13 ألف شخص منذ بدئها سنة 1996 حتى توقيع «اتفاق السلام» بين الحكومة والماويين سنة 2006 غير أنه في السنوات الأخيرة أصبحت أشكال العمل السياسي التي تعتمد ضغط الشارع السلمي سمة رئيسية في استراتيجية الحزب. كانت كتابات «براشندا» -خاصة منذ أواسط التسعينيات- توجه نقدا ضمنيا متصاعدا إزاء التجربة البيروفية خاصة من حيث تركيز الأخيرة على السلاح وحده. لكن منذ سنة 2002 تم التعديل في «درب براشندا» التي جمعت بين العملين المسلح والسلمي في اتجاه التركيز على العمل السياسي السلمي بل أصبحت تطرح المفاوضات ذاتها والتنسيق مع أحزاب غير ماوية كخطة سياسية رئيسية. أصبح مصطلح «الجماهير» (masses) بديلاً عن مصطلحات مثل «الطبقات الثورية» والتي يمكن أن تشكك في إمكان القبول بأي عملية انتخابية يشارك فيها كل مواطني الدولة. توصل براشندا في تلك المرحلة إلى قناعة بأن المرحلة النهائية من «حرب الشعب» وبالتحديد الانتقال من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى «الاستراتيجية الهجومية» يجب أن تعتمد على قاعدة جماهيرية واسعة تتحرك في المدن بشكل سلمي على قاعدة برنامج سياسي يفتح الباب أمام تحالفات واسعة. وهكذا على قاعدة برنامج إسقاط الملكية وتأسيس الجمهورية أمكن للماويين إثر سنة 2006 قيادة جبهة سياسية كبيرة ضمت حتى أحزاباً «يمينية» قامت بثورة في الشارع النيبالي وأدت إلى إسقاط الملكية وفرض انتخابات برلمانية سنة 2008 شارك فيها الماويون بكثافة ليصلوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع إثر حصولهم على أغلبية طفيفة في البرلمان. «الزعيم براشندا» لبس في نهاية الأمر رابطة العنق وبدأ التصرف كأي رئيس وزراء لجمهورية برلمانية.
غير أن التفاهمات المعقدة (والمتناقضة) للانتقال من موقع العمل المسلح إلى العمل السياسي شهدت أزمة في الأسابيع الأخيرة بعد رفض قيادة الجيش النيبالي إقحام 19 ألف مقاتل سابق في جيش الماويين (كانوا طيلة الفترة الماضية في معسكرات تابعة للأمم المتحدة) في الجيش الرسمي حسبما طلب براشندا.
استقالة براشندا في بداية شهر مايو الجاري وضعت المسار الديمقراطي النيبالي في منعرج حرج. ورجع الجدال الأساسي الذي أحاط بهذه التجربة الماوية الفريدة من نوعها، أي هل الدخول في لعبة الانتخابات كان خياراً أقل كلفة لتحقيق هدف «الديمقراطية الجديدة» وبالتالي «دكتاتورية الطبقات الثورية» ومن ثم الرجوع إلى العمل المسلح يبقى خيارا قائماً، أم هو إيمان جدي بأهمية دور العامل «الجماهيري» السلمي في تحقيق «الديمقراطية الجديدة» في كل الظروف وبمعزل عن أزمات المسار الديمقراطي؟
يحيلنا ذلك على بعض الأسئلة التي يمكن طرحها (بما يسمح به المجال) بعد هذه الحلقات حول الوضع الراهن لـ «اليسار الثوري» بما في ذلك الماوية: ألا يصبح تحقيق «المجتمع الديمقراطي الجديد» مجرد وهم إذا تم من خلال أداة أيديولوجية وجهاز مشخصن يؤمن أن التغيير الاجتماعي غير ممكن إلا عبر العمل المسلح ومن ثم إسقاط قدرة الاختيار السلمي بشكل حاسم والتهيئة لدكتاتورية (ثورية شعاراتياً) ولكن مجبولة على السقوط الحتمي لفقدانها القدرة التفاعلية مع مجتمعها ولتعاملها معه بوصاية سالبة للحرية الإنسانية؟
أليست الأداة الثورية المسلحة خاصة عبر أيديولوجيا مشخصنة (خلاصية ومقدسة) تحمل في طياتها بذور فشل «المجتمع الجديد» من حيث هو «مجتمع حر»؟
أليس أحد أركان الماوية الذي يركز على أهمية خصوصية كل تجربة ثورية ضمن سياقها الوطني/القومي والجيوسياسي (وهو الأمر الذي يحاول شخص مثل براشندا التركيز عليه) يعني في نهاية الأمر أن الوصفات الاستنساخية الأممية غير ممكنة أساساً؟ ثم هل يمكن التفكير حتى في الاستنساخ (تحت لافتة «الماركسية اللينينية الماوية- فكر فلان») في حين لا يزال هناك تردد وحتى رهاب إزاء نقد تجارب الحركات الشيوعية (خاصة بعد إمساكها السلطة) هذا إذا استثنينا التقييمات التبريرية والسطحية من نوع «التحريفية» و «الصدفة» و «خطأ توقيت الثورة»؟
أمام هذه الأسئلة الصعبة وغيرها التي تعترضه اليوم ومن دون مواجهتها سيبقى «اليسار الثوري» في مقام التكرار الاستنساخي الممل وغير الجذاب معرفياً وسياسياً وبالتالي غير القادر على صنع التاريخ. وذلك رغم كل الإمكانات الكامنة فيه خاصة في خلفيته الماركسية. فمما لا شك فيه أن الماركسية كأداة تحليل برهنت حتى لأكثر أعدائها شراسة أنها ما زالت قادرة على العيش مثلما يشهد بذلك الرجوع الصاغر إليها على مستوى الاقتصاد السياسي (انظر مثلاً العدد الأخير من نشرية «فورين بوليسي» الأميركية). كما أن هناك تجارب لـ «اليسار الثوري» أكثر مدعاة للاهتمام من حيث هي أقل إغراقاً في الدوغمائية وأكثر تواضعاً في بدائلها إذ لا تدعي الخلاص النهائي وكذلك من حيث تموقعها في سياقها الثقافي والقومي مثل تجربة «الثورة الزاباتية» في المكسيك.
أخيراً يبقى طبعاً الحديث عن «اليسار الثوري» العربي وهو الموجود اسمياً لا غير في الواقع الراهن والذي بالكاد وجد تاريخياً خاصة من حيث تموقعه في سياقه الجيوسياسي والقومي والثقافي. ولكن تلك قصة أخرى.

الكحلاوي: التغيير بالمنطقة مرتبط بتقلص النفوذ الأمريكي --حوار على موقع اسلام اونلاين


حوار أجراه معي الصحفي هادي يحمد على موقع اسلام اون لاين حول الزيارة المرتقبة لاوباما الى القاهرة و "الرسالة الى العالم الاسلامي" أي الخطاب الذي سيلقيه في جامعة القاهرة.. ملاحظة جانبية: العنوان غير دقيق... المقصود طبعا التغيير في السياسة الامريكية تجاه المنطقة و ليس التغيير بشكل عام

الرابط


حوار - هادي يحمد


اعتبر طارق الكحلاوي، الخبير الإستراتيجي وأستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة "روتجرز" الأمريكية، أن السياسة الأمريكية لن تشهد أي تغيير حقيقي تجاه العالم الإسلامي، لأن ذلك "غير ممكن لأسباب أهمها أن أي تحول حقيقي في السياسة الأمريكية سيحتاج إلى تغير في الموازين الإستراتيجية في المنطقة"، مضيفا أن هذا التحول "من الممكن أن يحدث فقط عندما يتقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة بتأثير عوامل سياسية واقتصادية وحتى حينها لن يحدث بشكل استعراضي وواضح".

وشدد الكحلاوي، في حوار خاص مع شبكة إسلام أون لاين نت، على أن "أصول أوباما الإسلامية العائلية تشكل جزءا صغيرا من تصوره لذاته ودوره الشخصي إذ أن حياته اللاحقة لطفولته خاصة تجارب عمله الحركية والتنظيمية في جامعة هارفارد وشيكاغو هي التي شكلت شخصيته الراهنة وصنعت أوباما الذي نعرفه اليوم".

واعتبر أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة "روتجرز"، أن هناك دلائل كبيرة على أن خطاب الرئيس الأمريكي أوباما للعالم الإسلامي، والذي سيلقيه من القاهرة، سيحمل في طياته رسالة مفادها أن الإسلام "يمكنه أن يتصالح مع الحداثة". وقال الكحلاوي: "الرسالة ستكون بمثابة قطيعة خطابية مع منهج سلفه جورج بوش في تعامله مع العالم الإسلامي".

وفيما يلي نص الحوار

* من المعلوم أن الإدارة الأمريكية الجديدة قررت توجيه رسالة إلى العالم الإسلامي يلقيها الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ما هي توقعاتكم لفحوى هذه الرسالة على ضوء تركيبة الإدارة الأمريكية من جهة والوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس قبيل وصوله إلى البيت الأبيض؟

تسرب ما يكفي من المعطيات الآن لتوقع الخطوط العامة لما سيكون عليه فحوى الخطاب/الرسالة الذي سيلقيه أوباما، وحسب العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، فإن الجملة التي سيعيد أوباما التركيز عليها، والتي بدأ باستعمالها بشكل مسترسل منذ اعتلائه سدة الرئاسة في 21 يناير، هي "الاحترام المتبادل مع العالم الإسلامي". وهي الجملة التي تم النظر إليها في البداية على أنها مغازلة للموقف الإيراني بسبب تركيز الخطاب الإيراني الرسمي عليها عند تعرضه للعلاقات المطلوبة مع الإدارة الأمريكية. لكن يبدو أن هناك في الإدارة من يشعر أن هذه الجملة تجلب اهتمام المستمعين المسلمين بشكل عام (وليس طهران فحسب) ومن ثم يمكن التركيز عليها بشكل خاص.

وهناك جمل أخرى سيركز عليها أوباما، مثلما جاء في خطابه السابق في أنقرة، من قبيل أن "الولايات المتحدة ليست ولن تكون في حرب مع الإسلام"، وهي جملة مركزية في الخطاب السياسي لأوباما بشكل عام خاصة في ظل حرصه على عدم استعمال شعارات تعميمية مثل "الحرب على الإرهاب" أو "الفاشية الإسلامية"، وهي مصطلحات تم ترديدها بكثرة من قبل الإدارة السابقة أو الأوساط المحيطة بها.

وبالإضافة إلى هذه القطيعة الخطابية، التي سجلها أوباما منذ اعتلاء الرئاسة، سيضيف أوباما محاور أخرى ربما تبدو أكثر "عمقا"، فقد أسر أوباما لأصدقائه المقربين، طبقا لمجلة "نيوزويك" الأمريكية، بأن الهدف من الرسالة هو تبليغ إيمانه بضرورة وإمكانية "تصالح الإسلام مع الحداثة". ويمكن أن يركز في هذا السياق على إنجازات "العصر الذهبي" للإسلام خاصة في ميادين الرياضيات والعلوم وحتى الدبلوماسية. حيث سيشير إلى دور المسلمين في "إنقاذ المدونة الإغريقية والرومانية من النسيان" وبالتالي "إنقاذ الإرث الغربي ذاته".

في المقابل سيعيد التركيز على أثر قصة سيرته الشخصية، التي بدأ التركيز عليها بمجرد تسلمه مقاليد الرئاسة، وترابطها مع أصوله العائلية الإسلامية عبر والده المباشر الكيني أو والده بالتبني الإندونيسي.

وفي سياق فهم معمق للتاريخ الإسلامي، خاصة إسهامه في بناء الحداثة في إطارها الغربي وتاريخه الشخصي، يرى أوباما عن قناعة أو لأسباب خطابية وسياسية، أنه يتموضع في الموقع الأمثل للعب دور "تجسير الهوة" بين "الغرب والإسلام". وحسب بعض التقارير الأخرى سيكون الخطاب "إيجابيا" بمعنى أنه سيتجنب التركيز مثلا على تقسيم المنطقة إلى "معتدلين" و"متطرفين"، ولا يعني أنه لن يشير إليه، مثلما كان يفعل سلفه بشكل أكثر استرسالا و تكرارا.

وكان خطاب أوباما الخاص بالعلاقة مع الإسلام والمسلمين شديد الحساسية قبل وصوله للرئاسة. فليس سرا أن أوباما كان شديد الحذر لـ"عدم ملامسة" المسلمين خلال الحملة الانتخابية، برغم ميل المسلمين بشكل واضح لأوباما آنذاك، إذ كان من الواضح للجميع، بما في ذلك أوباما والمسلمين، أن الشكوك التي راجت حول أصل ديانته كانت دائما في خلفية الحملة الانتخابية ضد هيلاري ثم ضد ماكين برغم رفض الأخيرين الإشارة المباشرة إليها. وبالتالي كان الجميع يعلم أن موضوع أصول عائلته الإسلامية (عبر والده الكيني المباشر أو والده الإندونيسي بالتبني) يمكن أن يساهم في مزيد من حشد القطاعات الاجتماعية التي تعتبر "الإسلام خطرا"، ومن ثمة كان هناك ميل لأسباب سياسية للقبول بتجاهل أوباما للتعاطف الإسلامي معه.

طبعا كان لأوباما منذ مسيرته السياسية في شيكاغو علاقات قوية بالجاليات العربية والإسلامية هناك، ليس لأنها كانت حتى وقت قريب شديدة البروز في الأوساط السياسية بل لأن أوباما كان يميل لصناعة علاقات مع أمريكيين من أصول أخرى خاصة الإفريقية والآسيوية. كما أن النسبة الكبيرة من الأفارقة الأمريكيين المسلمين المقيمين في شيكاغو حتمت عليه أن يرتبط بعلاقات قوية بها لأسباب انتخابية بالإضافة إلى العوامل الأخرى. هذا إلى جانب التجربة الغامضة التي خاضها في صغره مع أوساط عائلية مسلمة، والتي لم تكن دائما وردية حسب مذكراته لكنه لم يكن يدخر جهدا للإشارة إليها باعتبارها "تجربة ثرية في التنوع" جعلته دائما محل تساؤل طوال طفولته وشبابه حول "هويته".

وأعتقد بشكل عام أنه يشعر فعلا أنه متميز من حيث تشكل شخصيته الذاتية والثقافية خاصة في علاقته بالإسلام ليس فقط عن الرؤساء الأمريكيين السابقين، بل أيضا عن المؤسسات في واشنطن، وبهذا المعنى حتى إذا لم يحاول مستشاروه التركيز على "قدرة أوباما على تجسير الهوة"، فإنه شخصيا سيشعر بضرورة التأكيد عليها. وهنا لن يكون هناك جدوى في تقييم هذه الرؤية الخطابية بطريقة "إما أبيض وإما أسود" أي ما إذا كانت تستجيب لدواعى سياسية أو لإيمان حقيقي من قبله بأنه يمتلك خصائص استثنائية على مستوى التاريخ الرسمي الأمريكي. إذ على الأرجح أن هذين العاملين والشعورين حاضران لديه بقوة وبشكل متشابك. وهذا ما يمكن أن يؤكد التوقعات العامة بأن خطابه سيكون "إيجابيا"، أي أنه سيستخدم كلاما ليس لشخص قادم من بعيد، وسيلقي بعض المجاملات العامة بل كلاما لشخص يعتبر أن له ما يكفي من التشكل الذاتي والثقافي بأن يتوجه بنوع من "الحميمية" نحو الإسلام ثقافةً وأشخاصاً.

* لماذا برأيكم وقع اختيار مصر بالذات لتوجيه هذه الرسالة وخاصة أن أولى التوقعات كانت تتجه إلى تركيا لتكون محط هذه الرسالة؟

في الحقيقة حتى نكون واقعيين، فإن أوباما بدأ بالتوجه إلى المستمع والمتفرج المسلم بشكل مبكر منذ اعتلاءه مهام منصبه في يناير الماضي، وذلك عبر حوار تليفزيوني ركز فيه لأول مرة على أصوله العائلية الإسلامية وهو ما كان مادة لتعليق الإعلام الأمريكي (سلبا وإيجابا) لبعض الوقت آنذاك، ثم قام بزيارة تركيا التي كانت حلقة من حلقات حملة العلاقات العامة هذه والتي يقوم بها شخصيا وليس من قبل موظف بيروقراطي في وزارة الخارجية مثلما حصل في السنوات الماضية. ومن ثم فإن أسبقية المحطة التركية بوصفها أول زيارة له لبلد ذي أغلبية مسلمة بل وتقوده حكومة ذات ميول إسلامية مسألة لا يمكن تجاهلها، وخطابه في البرلمان التركي في أنقرة يمكن أن نطلق عليه أيضا "رسالة إلى العالم الإسلامي".

"الرسالة" إذا هي مجموعة من الرسالات بدأت منذ لحظة تسلمه مقاليد السلطة وتواصلت عبر خطب، وعبر إشارات رمزية أيضا. تركيا مثلا بوصفها أول محطات رسالة في ذاتها تؤكد ما تسرب حول اعتقاده بضرورة "مصالحة الإسلام مع الحداثة". إذ تمثل نموذجا لنوع من التوافق الذي استغرق تشكله أكثر من قرن بشكل يجعل أحزاب ذات خلفية إسلامية على رأس بلد يعلن على الأقل رسميا أنه علماني.

والمحطة المصرية هي بكل تأكيد حلقة أساسية في سلسلة الرسائل هذه؛ فإذا كانت تركيا محطة مناسبة للتوجه للمسلمين بشكل عام، خاصة من الناحية الرمزية بوصفها آخر مواقع "الخلافة الإسلامية"، تم اختيار مصر بوصفها محطة لمخاطبة قسم رئيسي في هذا "العالم الإسلامي" أي قسمه العربي بما في ذلك غالبيته السنية؛ إذ تبرز مصر في هذا المنظور الأمريكي في مركز حلقة إقليمية وإستراتيجية ذات بعد عربي-سني دون التغافل عن خلفيتها الجامعة أيضا بوصفها المقر السابق لأهم الإمبراطوريات الشيعية أي الدولة الفاطمية. مصر بخلفيتها التاريخية والإستراتيجية الراهنة تبدو محطة طبيعية غير متعارضة بل متكاملة مع المحطة التركية في حملة العلاقات العامة لإدارة أوباما تجاه "العالم الإسلامي".

* هل يعني اختيار مصر لتوجيه هذه الرسالة إعادة اعتبار للدور المصري في المنطقة العربية والإسلامية وخاصة تجاه الدور المتعاظم لإيران في العالم الإسلامي؟

علينا أن نفترض هنا أن الدور المصري، ضمن المنظور الأمريكي بوصفه مركز تحشيد مقابل الدور الإيراني في المنطقة، تم تهميشه مع الإدارة السابقة. لكن في الحقيقة كانت الإستراتيجية الأمريكية خاصة منذ تقلد كونداليزا رايس منصب وزارة الخارجية وستيفين هادلي موقع مستشار الأمن القومي، وصعود ما سمي آنذاك بـ"التيار المحافظ الواقعي الجديد" (على حد تعبير تشارلز كرواثمر)، على خلفية المأزق العسكري والسياسي الأمريكي في العراق، تم إطلاق "صراع المعتدلين ضد المتطرفين" في سياق محاصرة الدور الإيراني المتعاظم في المنطقة والذي بدا واضحا في الخطاب الأمريكي منذ سنة 2004، أنه المستفيد الرئيسي من احتلال العراق.

وعلى العكس يمكن النظر للإشارات الرمزية لأوباما باعتبارها تهميشا أو بشكل أدق تقليصا للدور المصري عما سبق من خلال اختيار المحطة التركية كأول زيارة لأوباما لبلد ذي أغلبية مسلمة، وكذلك من خلال تقليصه الكبير مقارنة بسلفه للخطاب الاستقطابي في المنطقة بين "المعتدلين و المتطرفين" على خلفية عملية جس النبض القائمة على قدم وساق الآن بين واشنطن وطهران. وهنا لا يجب تغييب الدور التركي عن هذه المعادلة خاصة من حيث ترتيب الإدارة الأمريكية لسلم هذه الأدوار.

والدور المصري ربما يجب النظر إليه، وفق نظرة مثالية أمريكية، على أنه دور عربي مساند لدور تركي (الحليف في الناتو) أكثر فاعلية في إحداث توازن مع الدور الإيراني في المنطقة ككل. ولهذا لن يكون من المستغرب إذا دفعت إدارة أوباما أكثر نحو تقارب تركي مصري وأيضا سعودي في المنطقة. والتذكير بهذا الدور السعودي تم بشكل متأخر عبر ترتيب زيارة إلى الرياض قبل القاهرة لكنه مثير للانتباه في جميع الأحوال.

من جهة أخرى تدل معظم المؤشرات أن أوباما لن يقوم بفتح أي ملفات تتعلق بالداخل المصري وبموضوع الإصلاح السياسي العربي بشكل عام مثلما قام سلفه ووزيرة الخارجية رايس قبل سنوات. وهذا يزيح عبئا سياسيا أمريكيا (خطابيا تحريضيا) عن الدور المصري.

* يرى كثير من المراقبين أننا بإزاء تحول حقيقي للسياسة الأمريكية في علاقتها بالعالم الإسلامي، وأن جذور أوباما، وكذا دراسته في مدرسة مسلمة في إندونيسيا لعبت دور في هذا التوجه الجديد.. ما رأيكم؟

طبعا ذلك غير ممكن لأسباب أهمها أن أي "تحول حقيقي" في السياسة الأمريكية سيحتاج إلى تغير في الموازين الإستراتيجية في المنطقة. ويمكن لهذا التحول أن يحدث فقط عندما يتقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة بتأثير عوامل سياسية واقتصادية وحتى حينها لن يحدث بشكل استعراضي وواضح. كما أن أصول أوباما الإسلامية العائلية تشكل جزءا صغيرا من تصوره لذاته ودوره الشخصي إذ أن حياته اللاحقة لطفولته خاصة تجارب عمله الحركية والتنظيمية في جامعة هارفارد وشيكاغو هي التي شكلت شخصيته الراهنة وصنعت أوباما الذي نعرفه اليوم.

يبقى أنه يرى فعلا في تنوع أصوله الثقافية معناً إيجابياً وإضافة تميزه، وهذا يمكن أن يعطيه نوعا من الثقة في اقتحام بعض المحرمات المسكوت عنها مثل الإشارة إلى "معاناة المسلمين" كجزء من تعقد الوضع الراهن، ومن ثم الاندفاع نحو قوى أساسية في المنطقة ربما لم تعمل الإدارة الأمريكية سابقا على الاقتراب منها بشكل علني وسلمي.

ودعني أتوقف هنا عند موضوع متعلق بسؤالكم برغم عموميته، وهو موضوع سيكون محل جدال أمريكي لفترة طويلة قادمة، وهو مدى تأثير الصفات الشخصية لأوباما على مسيرته السياسية وعلى مسيرة الوضع السياسي العام في الولايات المتحدة. وهنا لا أعتقد أنه من الممكن أن نميل إلى رؤى حدية تنفي جملة وتفصيلا دور هذه الصفات الشخصية بدعوى "المؤسسية" أو في المقابل تعتقد أن تميزه الشخصي يجعله قادرا على صبغ مؤسسة سياسية عريقة ومعقدة مثلما هي المؤسسة الجمهورية الأمريكية. أعتقد أن أوباما سيذيب نفسه في هذه المؤسسة لكن العناصر المميزة لشخصيته ستضيف إليها وتغيرها بشكل من الأشكال. وعموما لن يكون الوضع السياسي الأمريكي ودور البيت الأبيض والمؤسسة الفيدرالية، هو نفس الدور الذي شهدته عقب انتخاب روزفلت وكينيدي.

* هل هناك تخوفات وتوجسات لدى دوائر صنع القرار والتفكير المرتبطة باللوبي اليهودي من هذا التوجه الجديد لأوباما؟

مما لا شك فيه أن أي كلام إيجابي عن المسلمين والعالم الإسلامي من قبل رئيس أمريكي خاصة عندما يكون بهذه الكثافة الرمزية وهذا التركيز، يشكل مصدر عدم ارتياح لـ"لوبي إسرائيلي" يغلب عليه الطابع "الليكودي". إذ من حيث المفردات والخطاب هناك هوة بين خطاب أوباما والخطاب السائد لهذا اللوبي الذي شجع بعض أقطابه في السنوات السابقة على استعمال مصطلحات من نوع "الفاشية الإسلامية". كما أن المسرح العام لحملة العلاقات العامة هذه يطرح ثنائية "غربية – إسلامية" وبشكل خاص يمنح المنطقة العربية الإسلامية صفة ثقافية خاصة، بشكل يظهر إسرائيل غريبة من الناحية الجيوسياسية.

ولا يجب الاستغراب في هذا السياق من أن العديد من التعليقات التي تعرضت لزيارة القاهرة وخطاب أوباما المرتقب ركزت بشكل خاص على تصاعد الخلاف بين أوباما وحكومة نتنياهو خاصة فيما يتعلق بموضوع المستوطنات. كما أن هناك معطى آخر هام في هذه المعادلة أشرت إليه في مقال أخير في صحيفة العرب القطرية تحت عنوان (الإدارة واللوبي.. حلقة في سلسلة طويلة، 3 مايو)، وهي المؤشرات الدالة على رغبة أوباما في تشجيع "لوبي إسرائيلي" مختلف في واشنطن عن منظمة "إيباك" وهو ما يبدو واضحا في التناسق بين خطابه وخطاب مجموعة جديدة مثل "جي – ستريت" تقدم نفسها بديلا عن "إيباك".

ورغم ذلك فإن أوباما الذي تمرس بما فيه الكفاية على المشي في الرمال المتحركة لواشنطن سيعمل على عدم إثارة شكوك "إيباك" أو غيرها من خلال تكثيف العبارات المطمئنة المعتادة حول "الشراكة الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية". ولو أن الخلاف هذه المرة خاصة أمام إصرار نتنياهو على رفض حتى التنازلات الكلامية والشكلية أمام الإدارة الحالية، سيجعل من الصعب استمرار حكومة الأخير في السلطة. وليس من المستبعد وفقا لبعض التعليقات الأمريكية هذا الأسبوع أن تركيز أوباما على محور المستوطنات خلال الأسابيع الأخيرة كان في سياق بناء مناخ إيجابي لدى المتلقي المسلم قبل خطاب القاهرة

السبت، ماي 30، 2009

المسرح الأفغاني الباكستاني والخطة الأميركية الجديدة



مقال صدر في صحيفة "الحياة" اللندنية السبت 30 ماي 2009

الرابط



المسرح الأفغاني الباكستاني والخطة الأميركية الجديدة



طارق الكحلاوي

التكتم الذي يلف آفاق السياسة الأميركية في المنطقة لا ينبع فقط من الرغبة المعتادة على التكتم على ملفات الأمن القومي بل أيضا من استمرار الادارة الأميركية في حساب خياراتها. و من بين المسائل القليلة المطروحة بشكل واضح أولوية الملف الأفغاني-الباكستاني، و الذي يقع تقديمه بشكل متزايد إعلاميا كملف واحد تحت مختصر "أفباك" (Af-Pak)، خاصة على خلفية تداخل تنظيمي "طالبان" افغانستان و "طالبان" باكستان و انتشار تنظيم "القاعدة" بين ضفتي الحدود الباكستانية الافغانية على مدى "التخوم" الشفافة بين البلدين.

هناك طبعا بعض المؤشرات المساعدة على استقراء السياسة المحتملة تجاه هذا الملف في الاشهر القادمة خاصة بعد مرور فترة "المائة يوم" التجريبية في رئاسة أوباما. المؤشرات الصادرة عن الخطاب الرسمي للادارة الحالية لا تزال عموما في مرحلة التعبيرات الحذرة و غير الحاسمة. غير أنه مع حلول نهاية شهر مارس تم نشر "ورقة بيضاء" (white paper) في الموقع الرسمي على الانترنت لـ"البيت الأبيض" تعبر عن ملامح عامة للسياسة الرسمية في خصوص ملف "أفباك". الورقة كانت نتيجة لفريق عمل تم الاعلان عنه منذ 10فيفري الماضي من قبل الرئيس أوباما تحت اسم "مجموعة ما بين الوكالات للسياسات" (Interagency Policy Group) برئاسة كل من الضابط السابق في "وكالة الاستخبارات الاميركية" بروس ريدل (Bruce Riedel) و مبعوث الخارجية الأميركية لـ"أفباك" ريتشارد هولبروك (Richard Holbrooke) و مساعدة وزير الدفاع للسياسات ميشال فلورنوي (Michele Flournoy). و عملت هذه المجموعة تحت الاشراف المباشر لمستشار الأمن القومي جيم جونس ("واشنطن بوست" 10 فيفري). من المثير للانتباه أن في ذات اليوم تم الاعلان عن فريق عمل آخر مشترك بين الباكستان و الادارة الاميركية لمراجعة الوضع في المنطقة برئاسة وزير الخارجية الباكستانية و هولبروك. و بالرغم من أن ليس هناك ارتباطا مباشرا بين الفريقين لكن لن يكون أمرا مفاجئا إذا ما استفادت "الورقة البيضاء" من الافكار التي تم تداولها في سياق فريق العمل الاميركي الباكستاني. و عموما تشير هذه المجموعة المشتركة التي تم في اطارها كتابة "الورقة البيضاء" رغبة الرئيس الجديد في تداول أكثر ما يمكن من وجهات النظر حتى غير أميركية في صياغة السياسة الجديدة.

محتوى "الورقة البيضاء"، و التي لا تتجاوز الست صفحات، لخصه أحد معديها بروس ريدل في مؤتمر صحفي يوم 27 مارس. السؤال الرئيسي الذي بدى في أذهان الجميع هو ما إذا كانت منطقة "أفباك" فضاءا واحدا للعمليات العسكرية الاميركية و من ثمة تمديد مجال عمليات هذه القوات الى الاراضي الباكستانية. ريدل أشار آنذاك إلى أن: "سياستنا ترى افغانستان و الباكستان بلدين لكن كمسرح واحد لعملياتنا و ديبلوماسيتنا و كذلك كتحدي واحد لسياستنا بشكل عام". ريدل أضاف أن: "لدينا مقترحات ملموسة جدا لدعم المساعدة الاقتصادية لباكستان، و مقترحات سبق أن تم تقديمها من قبل الكونغرس". هولبروك وصف الحدود الباكستانية بـ"الخط الاحمر" أمام عمل القوات الأميركية المتمركزة في افغانستان. لكن ميشال فلورنوي التي شاركت في إعداد "الورقة البيضاء" أشارت في نفس المؤتمر إلى "من المؤكد أننا سنزيد من تركيزنا الاستخباري على هذه المنطقة و بالتوازي كلما سنحت الفرص سنزيد من عملياتنا أيضا".

لكن ماهي التداعيات العملية للخطوط العامة المعلنة في "الورقة البيضاء"؟ الخطاب الرسمي بقي محدودا. فقط في بداية شهر ماي بدأت تظهر النقاط التي سيتم التركيز عليها في منطقة "أفباك" من خلال حدث الاقالة المهينة لقائد القوات الاميركية في افغانستان الجنرال دايفيد ماكيرنان (David McKiernan) و الذي كان في موقعه على مدى 11 شهرا. معظم التقارير التي غطت الموضوع روجت بشكل متناسق لرسالة واضحة أرادت الادارة الراهنة تبليغها لمن يهمه الأمر: القادة العسكريين المتكونين ضمن الحروب النظامية الكلاسيكية لا يصلحون للمرحلة الحالية. الانتقادات التي تركزت على ماكيرنان كانت حول إصراره عدم التعلم من دروس "الحرب المضادة للتمرد" (Counterinsurgency War) في العراق. و لهذا تحديدا تم تعيين الجنرال ستانلي ماكريستال (Stanley McChrystal) في مكانه. و تعيين الأخير كرس ليس فقط سياسة جديدة في منطقة "أفباك" بل أكد أيضا الدور المحوري (الذي أشرت إليه سابقا) الذي يلعبه مركز بحث غير حكومي في صياغة سياسات الأمن القومي للادارة الجديدة. إذ غطت تعليقات بعض الباحثين في "مركز الأمن الأميركي الجديد" (The Center for New American Security) معظم التقارير التي تحدثت عن الجنرال ماكرسيتال بسبب علاقاتهم المهنية السابقة به.

أهمية "مركز الأمن الأميركي الجديد" في الإدارة الأميركية برزت من خلال حضور أسماء بارزة ضمن الفرق التي عينها الرئيس أوباما في الفترة الانتقالية (بين 4 نوفمبر و 20 جانفي) بالنسبة لملفات الشؤون الخارجية. من بين أبرز هذه الأسماء ميشال فلورنوي مساعدة وزير الدفاع حاليا و أحد معدي "الورقة البيضاء" التي أسست بمعية كورت كامبال "مركز الأمن الأميركي الجديد" منذ أكثر سنة. وهناك أيضا ويندي شيرمان، التي كلفت من قبل أوباما خلال المرحلة الانتقالية بمراجعة وضع وزارة الخارجية، وسوزان رايس ممثلة الولايات المتحدة في الامم المتحدة وعملت في الإدارة الانتقالية في ملف الأمن القومي وهما عضوان في مجلس إدارة المركز.

لكن من المثير للانتباه وجود خبراء في هذا المركز ممن عملوا ميدانيا كعسكريين في الحروب الأخيرة مثل جون ناغل الذي بدا طوال الحملة الانتخابية أحد أهم مستشاري أوباما في ملف أفغانستان، وخاصة موضوع "الحرب المضادة للتمرد"، إذ كان من بين أهم الخبراء الذين أعادوا صياغة خطط العسكرية الأميركية في هذا المجال، خاصة في العراق تحت إشراف الجنرال بتراوس. و يلعب الآن دورا متقدما في خطط الإدارة الجديدة فيما يخص الحرب في أفغانستان من خلال زيارات ميدانية إلى هناك. لكن ربما الخبير الأبرز من العسكريين السابقين الآن في هذا المركز و الذي يؤشر على طبقة من المستشارين العسكريين الذين يساهمون من مواقع غير حكومية في صناعة السياسة الاميركية في المنطقة أندرو أكسوم (Andrew Exum) الذي عمل سابقا تحت إشراف الجنرال ماكريستال و معروف بمدونته "أبو مقاومة". أكسوم كان مصدر رئيسي للتقارير الاخبارية التي تحدثت عن ماكريستال و النقطة الرئيسية التي ركز عليها هي الاتجاه لاستيراد تكتيكات "الحرب المضادة للتمرد" في العراق إلى افغانستان، إذ ماكريستال مع الجنرال باترايوس كانا من القيادات العسكرية الأساسية التي ركزت على أسلوب "التشارك" بين قوات أميركية و قوات من عناصر سابقة في المقاومة العراقية (ما يسمى بـ"قوات الصحوة") لمواجهة تنظيم "القاعدة". الخطة الأميركية في "أفباك"، إذا، وفق المعطيات الجديدة تتركز على إيجاد شرخ بين التركيبة القبلية و العشائرية البشتونية و القوى المرتبطة بشكل أساسي بمشروع تنظيم "القاعدة". و هنا تحديدا ستتصاعد محاولات زعزعة "طالبان" و إقناعها بالضغط من قوى محلية (السلطات الافغانية و الباكستانية) من جهة أولى و باستمالتها الى نوع من الحكم الذاتي المموه في مناطق نفوذها من جهة أخرى مقابل فك ارتباطها بمشروع تنظيم "القاعدة". لكن التعويل على ضغط الجيش الباكستاني تحديدا في هذه المقاربة سيكون محوريا. خاصة أن التدخل الاميركي المباشر في الباكستان سيكون، مثلما حدث في السابق، بالضرورة سريا و بالتالي محدودا. كما أنه لا توجد مؤشرات، مثلما حصل في المناطق السنية في العراق، على صراع بين القوى المحلية القبلية و مشروع "القاعدة". و هو ما يشير إلى مأزق محتمل للخطة الجديدة.



الثلاثاء، ماي 26، 2009

عودة «اليسار الثوري».. «الماوية» نموذجاً (2-3)

صدر في جريدة العرب (يومية - قطر) بتاريخ 24 ماي 2009

الرابط

طارق الكحلاوي
بمعزل عن الحملات التشويهية المتوقعة، بما في ذلك تلك البادية على لغة تقرير «النيوزويك»، سيكون مضيعة للوقت لو تم التعامل باستهزاء مع «الناكساليين» (الحزب الشيوعي للهند-الماوي) كأنهم قطعة أرشيفية من الماضي، ومن دون مستقبل لمجرد فشل حملة التخويف التي يقودونها، خاصة بعد مشاركة نسب مرتفعة من سكان ولايات «الرواق الأحمر» في الانتخابات البرلمانية الهندية. ليس الوجود القوي لهذا التنظيم في مجال يسكنه مئات الملايين من البشر، فحسب ما يجب أن يستدعي الانتباه، ولكن أيضا كيفية إعادة إنتاجه الاستنساخية لـ «دوغما» مستهلكة، بل ومهمشة في أصولها الجغراسياسية (الصينية) وقدرتها على الاستمرار في مجال هندي لطالما تم تقديمه في السنين الأخيرة كنموذج لـ «الرأسمالية الآسيوية» الصاعدة. وهنا يتعين الرجوع إلى سنوات بعيدة عندما تبلورت الماوية كصيغة نظرية لحركات غير صينية لـ «اليسار الثوري».
إذ بحلول ستينيات القرن الماضي تهيأت الظروف لنشأة موجة يسارية دولية جديدة ستأخذ لاحقاً التسمية الشائعة (وغير الدقيقة) «اليسار الجديد».
تم ذلك بالخصوص على خلفية خفوت بريق النموذج السوفياتي مقابل بروز الصين الماوية، وبالتحديد تحول قضية مواجهة «التحريفية السوفياتية» (من خلال تصعيد «الصراع الطبقي» زمن «بناء الاشتراكية») إلى مرتبة القضية المحورية التي أصبح يتم على أساسها الفرز الجديد في «اليسار الثوري» عالمياً. إذ، مثلما كان يتم في صراعات الفرق الدينية القديمة، لا يمكن للصراع بين منتسبين إلى نظرية «ثورية» إطلاقية في حال الاختلاف فيما بينهم، إلا الانتهاء إلى تفسيرات راديكالية لما وقع فيه الطرف الآخر. فالصراعات بين رفاق الأفكار الشمولية ينتهي دائماً إلى أكثر الصراعات دموية واستعداءً. وبهذا المعنى فإن تفسير موقف الطرف الأخر لا يتم إلا من خلال تعبيرات من نوع «الردة» (على حد التعبير اللينيني) أو «التحريفية» (على حد التعبير الماوي). الطابع الاحتفالي والمشهدي لحدث «الثورة الثقافية» الصينية، التي انطلقت في شهر مايو سنة 1966، كان التعبير الأكثر تركيزاً على المرحلة الجديدة ومعها لم يعد من الممكن النظر إلى رؤى «ماو تسي تونغ» كتطبيق صيني لـ «الماركسية اللينينية» بقدر ما بدأ يتم تقديمها كجهاز مفاهيمي منسجم يعبر عن آفاق لحركة أممية جديدة لـ «اليسار الثوري» (لن يتم تأسيس حركة «أممية» لتنظيمات ماوية إلا وسط الثمانينيات، كما لن تقوم هذه «الأممية» بتقديم «الماوية» كمرحلة جديدة وعليا لـ «الماركسية اللينينية» إلا بداية التسعينيات). وفي هذا الخضم تحديداً كان من الممكن مثلا لطالب بيروفي أن يؤسس تنظيماً ماوياً ويبدأ «حرباً شعبية طويلة الأمد» ناظراً إلى الشيوعية بالأساس من خلال الماوية. أبيماييل غوزمان (Abimael Guzman)، المنحدر من عائلة من الطبقة الوسطى تسكن في أحد الأقاليم البعيدة عن العاصمة ليما، الذي حصل على الدكتوراة في الفلسفة سنة 1962 (في «النظرية الكانطية للمكان»)، أصبح عضواً في «الحزب الشيوعي البيروفي» قبل أن يسافر إلى الصين للمشاركة في «الثورة الثقافية» ضد «التحريفيين الصينيين» استباقاً لأية محاولة لاستيراد «التحريفية السوفييتية». رجع غوزمان إلى البيرو ليساهم في إعادة تأسيس الحزب «الحزب الشيوعي للبيرو» في اتجاه تبني الرؤى الماوية والموقف الصيني ليدفع في اتجاه تركيز نشاطه في الأقاليم النائية والجبلية للإنكا، حيث تعلم لغات السكان المحليين الريفيين. وهكذا في سياق التذمر «طويل الأمد» لهؤلاء جراء الاستغلال الفاحش لملاكي الأراضي، خاصة مع فشل خطط «الإصلاح الزراعي» القادمة من ليما مع أواخر السبعينيات استطاع الحزب الذي كان مكوناً بالأساس من نواة صلبة من العقائديين المتركزين في فضاءات جامعية (طلبة وأساتذة جامعات) إطلاق «حرب الشعب» في مايو 1980 تحت اسم التنظيم المسلح «الدرب المضيء» في أحد مناطق الأنديز التاريخية، منطقة «أياكوشو» النائية. في سياق الأوضاع الفوضوية والفساد السائدين في البيرو آنذاك انتشر نفوذ «الدرب المضيء» إلى الحد الذي أقنع غوزمان بحلول سنة 1989 أنه قاب قوسين من السلطة ليعلن مرحلة جديدة «لحصار المدن بالأرياف» (كلاسيكياً وفقاً لرؤى ماو في نظريته العسكرية المرحلة الأخيرة لـ «حرب الشعب») مدشناً حملة تفجيرات شبه يومية في العاصمة ليما ناقلاً قيادة أركانه إلى ليما ذاتها. تبين فيما بعد، كما أقر في كتاباته اللاحقة، أن ذلك كان «خطأ جسيماً». إذ كان اعتقاله سنة 1992 ومعظم «اللجنة المركزية» تتويجاً لخمود التنظيم وحملته العسكرية. غير أن اللافت الآن أنه بعد إعلان السلطات البيروفية «موت الدرب المضيء» والحكم بأحكام «مدى الحياة» على غوزمان رجعت الأخبار بقوة منذ سنة خاصة منذ أسابيع قليلة دالة على استعادة التنظيم بعض قواه من خلال قتل أعداد متزايدة من الجنود البيروفيين وبسط سيطرته على بعض المناطق الريفية النائية كالعادة في مناطق الأنديز، حيث لم يتغير الشيء الكثير. وبرغم وجوده في سجن معزول بقي غوزمان محافظاً على صورة القائد المركزي للتنظيم خاصة بعد فشل محاولة السلطات البيروفية في تقديمه كـ «مهزوم» من خلال الادعاء باستعداده توقيع وثيقة استسلام غير مشروط إثر اعتقاله. إذ كان ظهوره في صورة المتحدي خلال إعادة محاكمته سنة 2006 مناسبة لإعادة شحذ ما تبقى من التنظيم لصفوفه من خلال تكثيف الحملة الدعائية المركزة على شخصه بما يقارب الشخصية الأسطورية. وهنا علينا التوقف عند ما أعتقد أنه يشكل السمة الرئيسة لـ «الماوية الراهنة».
«الدرب المضيء» بوصفه نموذجها الرئيس بلا شك بسبب نجاحه في استعادة بريق «الماوية» خلال سنوات الثمانينات الحالكة، خاصة بسبب دفاع غوزمان المبكر عن «الماوية» بوصفها «مرحلة ثالثة أعلى» للماركسية اللينينية، يقدم أيضاً نموذجاً في الشخصنة البالغة للرؤية الأيديولوجية. إذ بعكس أمثلة لينين وماو تم ترسيخ عبادة الشخصية في علاقة بشخصية أبيماييل غوزمان من قبل حتى الإمساك بالسلطة. غوزمان الذي تم تسميته «الرئيس غونزالو» والحرب مازالت قائمة كان يتم الترويج له بوصفه شخصية خارقة ترمز للتنظيم ذاته. تحولت صورة غوزمان وهو شاب (بدون لحية للتمويه على وجهه الحقيقي) إلى أيقونة يتم طبعها على الجدران مع شعار الحزب. وأصبحت الإشارة إليه في أدبيات الحزب تتم بشكل شبه قداسي لتكتسب كتاباته تسمية «فكر الرئيس غونزالو» مثلما كان يطلق الماويون على «فكر ماو» في الستينيات. ويظهر أرشيف الحزب (محاضر اجتماعات اللجنة المركزية التي تم نشرها في دراسات تاريخية في التسعينيات) النقاشات المشخصنة والمتمركزة حول غوزمان بوصفه «المخلص» الذي كان يدير بدهاء أي صراعات ضد منتقديه في المكتب السياسي للحزب من خلال إذكائه الدائم للصراع الفكري والسياسي على أساس «الصراع بين الخطين» ودفع قيادة الحزب على حسم هذه الصراعات في «الاتجاه الصحيح» (أي موقفه هو) كمظهر أساسي لـ «صحة خط الحزب».
إذ تبدو «الماوية الراهنة» متعلقة بالأساس باستنساخ الصورة المركزية لـ «القائد الملهم» بوصفه (شخصياً) أمل بقاء الحزب وانتصاره. نفس هذا السلوك لـ «عبادة الشخصية» بأشكال تنظيرية أكثر وعياً بالذات وأكثر تنظماً نجدها في مثال آخر ليس أقل بروزاً من «الحزب الشيوعي للبيرو» برغم المحدودية الكبيرة لفاعليته الميدانية. التنظيم الأميركي الماوي الرئيس «الحزب الشيوعي الثوري، الولايات المتحدة» تجمع صغير يضم ما تبقى من هيكل أكثر قوة كان بارزاً في ستينيات القرن الماضي. لأسباب تمركزه في الولايات المتحدة ومن ثم توافره على موارد مالية أكبر وحرية حركة أكبر، يمتلك الحزب آلة دعائية ربما الأكثر قدرة من بين كافة التنظيمات الماوية على الدعاية الفكرية والسياسية مما جعله يلعب دورا حاسما في تشكيل التنظيم الأممي الدولي المعروف باسم «الحركة الأممية الثورية» سنة 1984. هذا البروز الإعلامي يتمحور بالأساس حول شخصية مؤسس وزعيم الحزب بوب أفاكيان (Bob Avakian). الأخير والذي يعتقد أنه يعيش منفيا في باريس ويمارس دوره متخفيا بسرية نشر سلسلة من الكتابات التي يروج لها حزبه بكثافة تحاول عقلنة عبادة الشخصية على أنها أداة فعالة في تحقيق أي برنامج حزبي ثوري. وطبعا يقدم ذاته تحديدا من خلال إسهامات من هذا النوع على أنه أيقونة الحزب. وهو ما يحصل فعلا من خلال تركز نشاط هذا التنظيم حول شخصية أفاكيان من خلال نشر عرائض تدافع عنه في أكبر الصحف الأميركية (مثلا صفحة كاملة في نيويورك تايمز بوك ريفيوز عدد 22 نوفمبر 2007) وصوره على صدر كتابه الأخير على الحافلات العمومية في لوس أنجليس.

..........................
............................

شريط غوزمان في رقصة زوربا
http://www.new.facebook.com/home.php#/video/video.php?v=90493562329&ref=nf

الثلاثاء، ماي 19، 2009

عودة «اليسار الثوري»... «الماوية» نموذجاً (1-3)

صدر في "العرب" القطرية 17 ماي هنا


عودة «اليسار الثوري»... «الماوية» نموذجاً (1-3)

طارق الكحلاوي

حتى هذه اللحظة ربما لم أقرأ، كمياً، لكاتب مثلما قرأت للزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ. كانت صور «الرئيس ماو»، مثلما كنا نسميه كأننا نعرفه بشكل حميمي، إحدى صور الطفولة. صوره «البروفايل» والأمامية، ضاحكاً أو أقل مرحاً، ماو الشاب النحيل فارع الطول (قائداً لـ «المسيرة الكبرى» الأسطورية) والكهل ثم العجوز المتثاقل بشكل متزايد، المستلقي على كرسيه بدلال، وهو يهزم اليابانيين، و «شان كاي تشاك» وبقية «البورجوازية الوطنية» دفعة واحدة. صور ماو السباح، الذي يقطع نهر اليانغتسي بشكل روتيني فوق الـ 70 عاماً وهو ينظر مبتسماً، مطمئناً، للكاميرا، بينما يقود «الثورة الثقافية». أتذكر الآن أن أحد الأسباب الأساسية التي تجعل «معرض الكتاب» التونسي في الثمانينيات (ولا علاقة لذلك «المعرض» بمعرض هذه السنين) بالنسبة لصبي مثلي آنذاك مطية لرحلة إلى عوالم جديدة مثل زيارة «الجناح الصيني» حيث نشتري بلا حساب القصص المصورة لـ «الثورة الصينية» وطبعات جديدة لـ «المؤلفات الكاملة».
اكتشاف ماو الكاتب عِوض الصورة كان ولادة مؤلمة ولذيذة في الوقت ذاته. بعد كل هذه السنين تتراءى لي نصوصه روايات مليئة بالشخوص بقدر امتلائها بالأفكار. الانغماس في عقل الماوية يجب أن يصل حد تمثل الصراعات والسجالات التي مر بها ماو وهو يعيد تأسيس «الحزب الشيوعي الصيني» على قاعدة «الثورة في الأرياف» واستراتيجيا «حرب الشعب» ضد «الرفاق» المتمسكين بخط موسكو وبـ «الثورة في المدن»، ويصنع «الجبهة الوطنية» ضد اليابانيين مع «البورجوازية الوطنية»، ليصل إلى السلطة على أنقاض «البورجوازية الوطنية»، ثم ليقود حملة «المئة زهرة» ضد من وصل معه إلى السلطة، وطبعاً، «الثورة الثقافية» ضد... من تبقى من «الرفاق». آه، كم كرهت خصومه بما فيهم «الرفاق»؟! كانت ذروة لذة القراءة تقمص حججه الحاسمة، في «المونولوج» الذي هو نصه حيث لم يكن من المتوقع قراءة الرواية الأخرى، وهي تفحم بلا رجعة خصومه في «صراع الخطين» الذي لا ينتهي إلا ليتجدد، «خصومه» الذين نحس تجاههم بالنقمة في الوقت الذي كنا نخالهم «رفاقه» الخيرين في الفصل السابق.
كانت عملية القراءة ذاتها، وتمثلاتها، حالة تراجيدية الضامن الوحيد فيها الاطمئنان إلى حقيقة أساسية غير مصرح بها وهي أنه مع كل التغيرات والاضطرابات وانعدام الثقة المنبثق عن «صراع الخطوط» هذا فإن «الرئيس ماو» كان «عموماً» وفي نفس الوقت «دائماً» على حق. فمثلما هو الحال مع ماركس وأنجلز ولينين وستالين كانت «الحقيقة» مجسدة بشكل شخصي في فقه وسنة «الخمسة المعلمين» الكبار. وهكذا كـ «ماويين» (بداعي التأصيل الإيديولوجي كان من قبيل الاستقامة والتهذيب الثوريين أن ننسب أنفسنا إلى «الماركسية اللينينية الماوية»، أو «فكر ماو تسي تونغ» في رواية أخرى) كان الجدال يعني، مثلما هو حال أي جدال «أصولي»، أن من هو على «حق» هو ذلك الذي يلتزم أكثر من الآخرين بالتأويل والتفهم والاستنباط ضمن حدود متن الأحاديث «الماركسية اللينينية الماوية». لم يكن نص «الحديث» الماوي ذاته محل الجدال بل كيفية فهمه.
و «المنتصر» عادة، في الجدالات الماراثونية لهذا النوع من الفرق الراديكالية يساراً، هو ذلك الذي يحذق التنسيق بين النصوص-الأصول، بالطبع بعد التفوق في جمع أكبر قدر منها. إذ تاريخ «الماركسية اللينينية الماوية»، وهذا لا يعد سبقاً بطبيعة الحال، بعد ماركس ولينين وماو ليس إلا تاريخ «مفسريها» (exegetes) بالمعنيين الحرفي والاصطلاحي للكلمة.
لكن بسقوط برلين المقسمة سنة 1989 بدأت كرة ثلج سريعة في الانحدار لتجرف معها الكثير بما في ذلك الاستقطاب بين شقين للحركات اليسارية عبر العالم منذ الثورة البلشفية. إذ تراجع منذ تلك اللحظة «اليسار الثوري» أمام «اليسار الإصلاحي»، ولم يعد «إسقاط النظام الرأسمالي-الإمبريالي» بما في ذلك بقوة السلاح شعاراً جذاباً للموضة اليسارية الجديدة. من بين آخر تمثلات «اليسار الثوري» في تلك الحقبة «الثورات الماوية» التي أظهرت رأسها بشكل متفاوت وبالخصوص في البيرو حيث وجهت منظمة «الدرب المضيء»، الذراع العسكرية لـ «الحزب الشيوعي للبيرو»، آخر ضرباتها للحكم الذي بات محاصراً في ليما قبل الانهيار بشكل متسارع في بداية التسعينيات بسقوط «الرئيس غونزالو» (أبيماييل غوزمان) زعيم «الدرب المضيء» في الأسر في أحد الأحياء الراقية في ليما، والذي اكتسب سيرة أسطورية في سياق السرية البالغة التي ميزت تحركاته. كانت صور غوزمان بالملابس المخططة للمساجين «الأكثر خطراً» في قفص كبير، والمعروضة بعناية من قبل القوات الحكومية البيروفية لأجهزة الإعلام الدولية، التعبير المرئي الأكثر كثافة عن التراجع الكبير لـ «اليسار الثوري» آنذاك.
على مدى الـ 20 سنة الماضية بقي نبض «اليسار الثوري» بالكاد حيا خاصة من خلال التعبيرات المرئية المحسوسة والمثالية لرموزه. الترويج المركنتيلي لصور «تشي غيفارا» كسلعة (commodity) من بين سلع بصرية أخرى لم يكن تمثلا لهذه الاستمرارية فحسب بل أيضا للشكلانية التي اصطبغ بها «اليسار الثوري». غير أن المأزق السياسي والاقتصادي المتعاظم للولايات المتحدة وبقية النظام الدولي في السنين الأخيرة قدم على ما يبدو ما يكفي من الأسباب لاسترجاع بعض «اليسار الثوري» بعض قواه. بالإضافة إلى البروز المتزايد للقوى «الفوضوية» (أو «اللاسلطوية») خاصة في مناسبات المؤتمرات الدولية من خلال التظاهر «الثوري» في الشوارع، يبدو البروز الأكثر أهمية من حيث تهديده لمواقع السلطة في الأماكن التي يوجد فيها هو الخاص بالقوى «الماوية».
ضمن هذا السياق تبدو الأخبار الراهنة لـ «الماوية» مناسبة لإعادة زيارة ما يبدو أنه أصبح قصة قديمة من الماضي تبعث على النوستالجيا للبعض، ولكن أيضاً تدعو للنظر من جديد إلى منظومة إيديولوجية تطل برأسها بعناد رافضة التواري ولو أن ذلك يتم على ما يبدو بالكثير من التكرار و «الأصولية» غير الخلاقة.
في الهند، ومنذ منتصف شهر أبريل، حيث تجري الانتخابات البرلمانية الماراثونية طيلة شهر وفي كل ولاية على حدة، كان «الرواق الأحمر» وحده ما يستحق الانتباه في التقارير الإخبارية. «الرواق الأحمر» الهندي، لمن لا يعرف ذلك وهو أمر متوقع للغاية، هو مجال تركز النشاط المسلح للتنظيم العسكري لـ «الحزب الشيوعي للهند» (الماوي) والذي يخترق ست ولايات تقع في الشمال الشرقي لشبه القارة الهندية وذلك يعني ما يفوق الـ 500 مليون نسمة. التنظيم المعروف باسم «الناكساليين» (Naxalites)، نسبة إلى ثورة فاشلة لتنظيم شيوعي مقرب من الصين الماوية في «البنغال الغربية» سنة 1967، قام خلال الأسابيع الأخيرة بعمليات استعراضية تتراوح بين التفجيرات الواسعة قرب المراكز الانتخابية إلى خطف قطار محمل بأكثر من ألف مسافر. «الناكساليون» كانوا «خبر» الانتخابات الهندية بلا منازع إلى الحد الذي كانوا فيه موضوع تقرير خاص في العدد الأخير (2 مايو) من نشرية «النيوزويك» دون غيرها. التقرير ينقلنا إلى «المناطق المحررة» في أرياف ولايات مثل «جهارخاند» حيث لا توجد الحكومة الهندية إلا بشكل اسمي في وسط المدن الكبيرة لولايات «الرواق الأحمر»، وحيث يفرض «الناكساليون» إتاوات خاصة على من يعمل في إدارات حكومية «تحت طائلة الخطف».
نشأ «الحزب الشيوعي للهند» (الماوي) في خريف سنة 2004 إثر اندماج تنظيمين ماويين هنديين. لكن لماويي الهند تاريخ طويل وسلسلة ثورات فاشلة خاصة أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. التنظيم الجديد خلق قيادة مركزية لتنظيمات مشتتة وكان تعبيراً ودافعاً في الوقت ذاته عن مرحلة من المد العسكري لحرب عصابات متركزة في الأرياف («محاصرة المدن من الريف»). نفس الرؤى تقريبا بقيت مهيمنة إلى هذه اللحظة.
«الأعداء» هم ملاك الأراضي والحكومة يتم النظر إليها على أنها أداة الطبقات «الرجعية» والتعبير السياسي المركز عن المجتمع «شبه الإقطاعي» وعلى رأسه طبقة ملاك الأراضي. وضمن الحكومة، بالمناسبة، يقع تعريف «البرلمان الهندي» وانتخاباته. فيما يشبه أي حملة تكفيرية تم إعلان «الديمقراطية البرلمانية» الهندية كمجرد ديكور لتزويق نمط الإنتاج شبه الإقطاعي. الامتداد الطبيعي لقتل ملاك الأراضي أو مطاردتهم في أقل الأحوال كان «قتل» أي فرص لتحقق أبسط بديهيات «الديمقراطية البرلمانية» أي الانتخابات.



الخميس، ماي 14، 2009

لا لحجب مدونة عمروش

من أجل حق كل التونسيين في التعبير

الأحد، ماي 03، 2009

الإدارة واللوبي.. حلقة أخرى في سلسلة طويلة


صدر في "العرب" القطرية بتاريخ 3 ماي 2009
رابط

الإدارة واللوبي.. حلقة أخرى في سلسلة طويلة
طارق الكحلاوي

بدون مقدمات بدأت وسائل الإعلام الأميركية في الأسبوع الثالث من شهر أبريل الماضي تنشر أخبارا متصلة حول ما اعتبرته «فضيحة» تخص واحدة من أبرز أعضاء الكونغرس «الديمقراطيين». التقرير الأبرز كان بإمضاء «نيويورك تايمز» (20 أبريل) والذي جمع كل المعلومات المعروفة والجديدة عن تورط النائبة في مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا جين هارمان (Jane Harman) في ملف يتعلق باتهام عضوين (باحثان) في المنظمة الممثلة لـ «اللوبي الإسرائيلي» في واشنطن (Aipac) في قضية «تجسس». ما سيعنيني في الموضوع هو مغزاه تحديدا بالنسبة لعلاقة الإدارة الأميركية باللوبي في تمظهراته المعروفة وغير الظاهرة. أما القضية ذاتها فقد أصبحت منذ آخر هذا الأسبوع في حكم الماضي، بما أن المحققين الفيدراليين أسقطوا التهم.

تشعبات القضية تأخذنا إلى صيف سنة 2004 عندما تسرب إلى بعض وسائل الإعلام الأميركية خبر اتهام لورانس فرانكلين (Lawrence Franklin) أحد المحللين الرئيسيين قي قسم «السياسات» الخاصة بإيران في وزارة الدفاع الأميركية بأنه نقل معلومات وصفت بأنها «سرية للغاية» إلى كل من ستيف روزن (Steve Rosen) وكيث وايسمان (Keith Weissman) واللذين كانا على التوالي «مدير السياسات» والمختص في الملف الإيراني ضمن مركز البحوث الخاص بالمنبر المعبر عن «اللوبي الإسرائيلي» في واشنطن أي «إيباك». الموضوع أخذ طابعا «خطيرا» بشكل خاص بعد الاشتباه في إيصال تلك المعلومات إلى دبلوماسيين أجانب وبالتحديد من السفارة الإسرائيلية. فرانكلين الذي كان يعمل آنذاك تحت إمرة كل من نائبي وزير الدفاع دوغلاس فايث وبول وولوفويتز، أي أبرز الرموز النيومحافظة في الإدارة المتخلية، تلقى حكما وصل إلى أكثر من 12 عاما سجنا، في حين بقيت قضية كل من روزن و وايسمان في تأجيل مستمر حتى إسقاط التهم آخر هذا الأسبوع. ورفض «إيباك» ومحللوها بإصرار التهم، في حين كان من أسباب سقوطها حسب التقارير الأخيرة (مثلا تقارير «الواشنطن بوست» وموقع «بوليتيكو» 1 مايو 2009) هو «تخوف» المحققين الفيدراليين من الاضطرار لكشف المعلومات التي وصفت بـ «السرية للغاية» (والتي هي أصل القضية) في سياق المحاكمة.

هذا الجزء الأول فحسب لهذه القضية. الجزء الثاني يخص النائبة هارمان والذي أصبح متاحا للعموم بعد التسريبات التي وصلت لأبرز وسائل الإعلام الأميركية والتي جعلت هذا الخبر الأبرز لبضعة الأيام اللاحقة على يوم 20 أبريل الماضي. إن تقرير «النيويورك تايمز» المشار إليه أعلاه يعرض تشعبات أخرى للموضوع وبالتحديد موضوع قرار الإدارة المتخلية التنصت على المواطنين الأميركيين في القضايا المتعلقة بـ «الأمن القومي»، وما أدى للغط أكبر من العادة هو الكشف عن أن التنصت لحق نائبة معروفة في الكونغرس. كان ذلك بداية تخمينات كثيرة انتهت إلى الكشف عن هوية الطرف المتنصت عليه والذي كان النائبة هارمان، ليتبين في الأثناء أن سبب التنصت هو ارتباط الأخيرة بقضية «التجسس» التي اتهم فيها كل من لورنس فرانكلين و «الإيباك». إذ تشير التحقيقات المسربة (وعمليات التسريب هنا جزء رئيسي من مغزى الموضوع ككل) أن السيدة هارمان وبالتحديد بوصفها عضوة في «لجنة الاستخبارات» في مجلس النواب تلقت منذ سنة 2005 مكالمات من ممثلين عن «إيباك» تدعوها لـ «التدخل» لإسقاط التهم الخاصة بالقضية المشار إليها أعلاه. في نهاية الأمر توصلت هارمان إلى ما تم وصفه بـ «الصفقة». التفاصيل تبدو معقدة، ولتتبعها يجب أن نحبس الأنفاس لبضع اللحظات. يتم بمقتضى هذه «الصفقة» تدخل هارمان مع «أحد موظفي البيت الأبيض» مقابل تدخل «إيباك» لتعيين هارمان كرئيسة «لجنة الاستخبارات». يتم ذلك عبر تدخل أحد أبرز داعمي «إيباك» الماليين الملياردير الكاليفورني حاييم سابان (Haim Saban) من خلال دعم الحملة الانتخابية لزعيمة الحزب الديمقراطي نانسي بيلوزي لكي تتدخل الأخيرة في تعيين هارمان في المنصب الذي ترغب في الوصول إليه. ما يدعو للتسلية في هذه الترتيبات السوريالية أن هارمان ختمت أحد مكالماتها مع أحد أعضاء «إيباك» مثل أي زعيم شبكة خارجين عن القانون بالقول إن «هذه المكالمة لم تجر البتة»، وهي الجملة التي كانت محور تعليقات البرامج الكوميدية الليلية ذلك الأسبوع.

طبعا هناك ظرفية عامة تفسر ما يجري هنا. ليس من الصعب أن نفهم أن أصل الموضوع هو الخلاف الذي طرأ بين إدارة بوش المتخلية والقيادات الإسرائيلية حول نوع وضرورة وتوقيت توجيه ضربة عسكرية إلى إيران. إذ المعلومات «السرية للغاية» التي هي أصل القضية تتعلق (حسب التقارير المنشورة) بعمليات «تورط فيها إيرانيون» داخل العراق ضد القوات الأميركية، وهو ما يمكن أن يكون أساسا «مشروعا» لأي ضربة أميركية تحت شعار «الدفاع عن النفس».

وفي مقابل رغبة الإدارة المتخلية في إخفاء هذه المعلومات، كان الطرف الإسرائيلي في حاجة إليها. إذ إن التعقيدات التي وجدت فيها الإدارة الأميركية نفسها منذ خريف سنة 2003 في العراق ومن ثم حاجتها الملحة لإشراك إيران في وضع ترتيبات سياسية داخل العراق، جعلت من الرغبة في توسيع مشروع «الحرب الاستباقية» في اتجاه سوريا وإيران، وهي الرغبة التي وصلت أوجها مع «سقوط بغداد» بين الأوساط النيومحافظة، تخفت بشدة. نعرف الآن بأثر رجعي أنه مع حلول سنتي 2004 و2005 قررت الإدارة الأميركية المتخلية وضع أي مشروع لضرب إيران على الرف، في حين واصلت القيادات الإسرائيلية بشكل حثيث الضغط من أجل القيام بالضربة. في هذا السياق كان «اللوبي» يسعى بجدية لضمان التواصل بين الجيوب العقائدية في التيار النيومحافظ المتواجد في الإدارة، في حين حسمت الإدارة أمرها، وتبدو قضية «التجسس» في هذا السياق رسالة بأنها جادة في التخلي المؤقت في أقل الأحوال عن قرار الضربة. انسداد قنوات الاتصال بين الطرفين خاصة بعد انسحاب رموز نيومحافظة مقربة من «إيباك» (وولفويتز وريتشارد بيرل) يبدو الخلفية التي تفسر اضطرار «إيباك» للاستعانة بأقرب حلفائها من «الحزب الديمقراطي» لمحاولة تجنب تأزيم الموقف خاصة من زاوية «العلاقات العامة».

عمليات التسريب يجب أن تحظى بوقفة هنا. في تقرير أخير (موقع «بوليتيكو» 1 مايو 2009) يشير أحد المتهمين في القضية ستيف روزن في سياق تعليقه على قرار إسقاط التهم بأن «هناك من لا تهمه التسريبات، ولكن يريد توجيه ضربة إلى الأطراف التي لا يرتاح إليها». بدون شك إن أي تسريبات من هذا النوع -خاصة التي تعلقت بالنائبة هارمان- حققت إشهارا سلبيا للغاية لـ «إيباك». وهكذا مقابل إسقاط التهم (كان متوقعا بالنسبة لمن قام بهذه التسريبات) والذي جنب «إيباك» مزيدا من تأزيم صورتها العامة، حدث بتكلفة باهظة تمثلت في حملة إعلامية استمرت لبضعة أيام.

يبقى هنا الإشارة إلى نقطتين في علاقة بهذه الحلقة الجديدة من المسلسل الطويل للإدارة واللوبي. أولا، أن تركيبة «اللوبي الإسرائيلي» من خلال هيمنة منظمة «إيباك» تقليديا عليه يمثل إشكالا بالنسبة للإدارة الحالية. إذ إن الارتباط التقليدي بين «إيباك» وما يسمى «قوى اليمين الإسرائيلي» يعني أن على الإدارة الأميركية الحالية أن لا تواجه «ليبرمان» في الخارج فحسب، بل أيضا «ليبرمان» في الداخل. فسواء في الرؤية أو حتى في الأسلوب فقط يبقى الطرف الممثل للرؤية الإسرائيلية استمرارا للرؤية النيومحافظة مختلفا عن توجهات الإدارة الحالية. ضمن هذا السياق تحديدا يجب أن نأخذ بشيء من الجدية التقارير التي تكاثرت منذ «حرب غزة» حول رغبة الإدارة الحالية في تركيبة جديدة لـ «اللوبي الإسرائيلي» وبالتحديد العلاقات الخاصة التي تربط بين منظمة (J-Street) والرئيس أوباما (علاقات منتظمة منذ ترشحه للرئاسة). خاصة أن المنظمة الأخيرة (والتي تدافع عن «حل الدولتين» بلغة تمثل أقلية في السياق الإسرائيلي الراهن) بصدد البروز إعلاميا وحتى ماليا بشكل ينافس «إيباك». النقطة الثانية هي النقاش الأزلي تقريبا بين وجهتي النظر الرئيستين اللتين تقدمان تفسيرا شاملا ودقيقا حول طبيعة علاقة الإدارة (الإدارات المتعاقبة) باللوبي، بين من يعتبر (مثل ستيفن والت وجون ميرشمير) أن اللوبي (بشكله الحالي) هو المسؤول الرئيس عن «انحراف» الإدارات المتعاقبة، خاصة «عدم القدرة على الحياد» وبين من يرى (مثل نعوم تشومسكي) بأن اللوبي صنيعة الإدارات المتعاقبة وليس أداة مستقلة عنها. تفاصيل وملابسات قضية «التجسس» أعلاه تشير إلى دعم الرأي الأول. هذا حتى إشعار آخر في هذا الجدال الذي كلما نعتقد أنه حسم نكتشف أنه يتجدد.