الاثنين، سبتمبر 28، 2009

المسيرة الكبرى




في بداية شهر أكتوبر من كل عام منذ سنة 1934 يحتفل الصينيون بواحد من أعظم الاحداث في تاريخهم القومي، و أيضا في تاريخ الانسانية: المسيرة الكبرى

في ذلك التاريخ بدأت وحدات من "الجيش الأحمر" (الذراع العسكرية للحزب الشيوعي الصيني) مجموعة من التحركات للتراجع من المناطق "المحررة" و المحاصرة من قبل الجيش الصيني (جيش تشيانغ كاي تشاك) في المناطق الجبلية جنوب شرقي الصين

تلك التحركات التي بدأت بشكل قسري و غير منظم ستتحول إلى عملية تراجع و مسيرة طويلة لمجمل ما تبقى من الجيش الأحمر.. مسيرة ستتواصل لعام كامل (انتهت في اكتوبر سنة 1935) و تمتد من الجنوب إلى الشمال (أكثر من 12 ألف كم) مخترقة معظم مناطق و مناخات الصين و عير جميع الحواجز الطبيعية الممكنة و هو ما كلف الصينيين حوالي 100 ألف جندي من الجيش الأحمر

الأرقام وحدها كفيلة للدلالة على عظمة الحدث.. غير أن أبعاده السياسية و العسكرية هي جوهر دلالته التاريخية.. إذ أن أهم نتائج المسيرة الكبرى كانت ليس فقط الحفاظ على نواة صلبة للجيش الاحمر و الحزب الشيوعي الصيني بل أيضا تحويل موازين القوى إلى مصلحتهم.. و في خضم كل ذلك برز (من سيسمى بشكل مستمر منذ ذلك الوقت) "الزعيم ماو" كأهم المخططين العسكريين للحزب و على رأس آلته الايديولوجية و السياسية

حدث المسيرة الكبرى يمثل بالنسبة لي حدثا نوستالجيا.. إذ رافقتني القصص الكرتونية المصورة التي روت جوانب مختلفة من المسيرة الكبرى مرحلة هامة من طفولتي.. و مع كل المراجعات التي مررت بها و الجروح اليديولوجية التي خلفتها لازلت أرى (مثلما يرى غالب المؤرخين لهذه الفترة) المسيرة الكبرى كحدث إنساني فريد من نوعه

رمزية الحدث هائلة... و شديدة الكثافة... و كذكلك دروسه... تحيل على معادلة أاساسية و هي القدرة الخلاقة على صناعة التاريخ من فتات من العوامل المساعدة.. لكن طبعا نجاح المسيرة و من بعدها الثورة الصينية لم يكن ليتحقق أيضا لولا العوامل الهيكلية المتعالية على الذكاء الخارق لماو و الاصرار الهائل لجنود الجيش الاحمر

ملاحظتين أخيرتين: أولا أسمع الآن من بعض المتحذلقين أن الصين تصارع و تجد من أجل مكان في العالم ببناء قوتها الاقتصادية و ليس بالحروب و الصراع العسكري.. و معادلات الابيض و الاسود التبسيطية هذه تثير حنقي... إذ لا يمكن أن نتخيل أي قدرة صينية على البناء الاقتصادي الراهن (بمعزل عن تقييمنا لهذا البناء الاقتصادي و هوية المستفيدين منه) من دون التاريخ السياسي و العسكري الصيني الذي وفر ما يكفي من استقللية الارادة السياسية حتى يمكن للصينيين أن يقرروا أي اقتصاد يريدون

ثانيا عندما قابل وفد من منظمة التحرير الفلسطينية أواخر الستينات ماو تسي تونغ و طلبوا منه النصح في كيفية تسيير "الثورة الفلسطينية" الناشئة قال لهم أنه هو شخصيا استلهم خططه العسكرية "من تاريخكم".. و اشار بشكل محدد إلى "الهجرة النبوية" من مكة إلى المدينة كنموذج استوحى منه خطة التراجع من أجل التقدم التي كانت جوهر خطته العسكرية طوال المسيرة الكبرى و التي أصبحت استراتيجية عسكرية ثابتة في خطط الجيش الاحمر الصيني حتى الوصول إلى السلطة

الشريط أعلاه جزء أول من ستة أجزاء تم بثها على قناة "هيستوري شانال" الامريكية.. بقية الحلقات هنا
http://www.youtube.com/watch?v=1bGzqmFOGUs&NR=1

الأحد، سبتمبر 27، 2009

في ضرورة التعمق في معضلة «التحول الديمقراطي» (1)

مقال صادر في "العرب" القطرية بتاريخ 27 سبتمبر 2009

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=98865&issueNo=646&secId=15

في ضرورة التعمق في معضلة «التحول الديمقراطي» (1)

طارق الكحلاوي

2009-09-27
جرت العادة على مشارف الحدث الانتخابي في السياق العربي بشكل عام، مع بعض الاستثناءات القليلة، أن تتضارب الآراء في المشهد العام بين مظاهر الاحتفالية واللامبالاة، وفي المشهد النخبوي بين المشاركة والمقاطعة. بعيدا عن هذا الجدال، تبدو لي الأسئلة الهيكلية، أي تلك التي تتجاوز النظر فيما هو حينيّ وراهن، بنفس الأهمية أو ربما أكثر. إذ هناك حاجة أكبر لاستقراء للوضع على مدى زمني طويل وفي سياق مقارن وبالاستعانة بدراسات في العلوم السياسية والتاريخ المعاصر تعمقت في موضوع التحول الديمقراطي. فالاستغراق فيما هو راهن سياسي وما يستتبعه من إنتاج وإعادة إنتاج البيانات المقتضبة ولغتها التقريرية التعبوية يمكن أن يعزل السياسي عن الجمهور بنفس القدر الذي يمكن أن ينعزل فيه المنظّر في برجه العاجي. إذ هناك حدان في هذه الحالة، ليس في التنظير التجريدي المحلق في الآفاق البعيدة فحسب، بل أيضا في مستوى الممارسة المجردة من أي قدرة على تجاوز التكرار واستفهام الهياكل العامة لما هو قائم لاحتمال تجاوزه.

منذ حوالي العامين بالتحديد (سبتمبر 2007) كتبت ما اعتقدت وما زلت أنه مقال أولي تقديمي في موضوع التحول الديمقراطي على أمل مَوْضَعَتِه في إطار الخصوصية العربية بما في ذلك التونسية. مقال أولي في مشروع أملت أن يكون أكبر، كان يجب أن تليه مقالات أخرى ولكن لم أنجز هذا المشروع الذي لا أعتقد أنه يمكن أن يتحقق بشكل فردي. في هذا المقال التقديمي حاولت طرح السؤال الهيكلي أعلاه من خلال مساءلة بعض الطروحات الكولونيالية والنيو-كولونيالية التي انتعشت بتأثير تجربة «بناء الديمقراطية في ظل الاحتلال» في العراق. والتي اتجهت للتشكيك في إمكان بناء ديمقراطية في المجال العربي-الإسلامي من دون إعادة تشكيل هويته الثقافية مع السياسية. الأفكار التي طرحتها حينها ما زالت في حاجة لإعادة المطارحة، وهي الأفكار الثلاث التالية: أولا، اقتراح مقاربة مفهومية «فارابية» (نسبة لأبي نصر الفارابي) يمكن أن تساعد على تفكيك الشرط المستديم للمجتمع ما قبل الديمقراطي (خاصة الارتباط الحميمي بين القاهر والمقهور). ثانيا، مقاربة تاريخانية لتجارب صناعة الديمقراطية. ثالثا وأخيرا، عرض استنتاجات أولية لمقاربة الوضع العربي بشكل خاص. وهي الأقسام التي ستكون محاور هذا المقال.

يبدأ الناشط السياسي، في هذه الحالة «الناشط الديمقراطي»، من مسلّمة قدرته على التغيير من خلال «توعية الشعب»، الذي هو، بطبيعة الحال، «غير واع». ومن ثم ينتظر «الشعب» فقط مبادرة الناشط للبدء في تقبل الوعي. في هذا العالم القائم على ثنائيات تبسيطية مثل ثنائية القائمين بالتوعية والمتلقين للتوعية، أو ثنائية الشعب المحروم من الوعي والناشط المختار لترويج الوعي، يتم في نهاية الأمر تجاوز واقع التفاعل الضمني والحتمي بين مختلف مكونات أي ظاهرة اجتماعية. وبالتحديد التفاعل الضروري والحتمي حتى بين من يبدو «مفعولاً به» (مقهور) من الناحية السياسية ومن هو «فاعل» (قاهر)، وبالتالي «الفاعلية» المتضمنة في السلبية الظاهرة لمن هو «غير واع». وبمعنى آخر تبدو المعادلة التي تجعل «الشعب» موضوعا تعبويا، لصاحب السلطة، أو لصاحب سلطة القول المعارض، المسوّغ الأساسي لجعله «الضحية». إذ هو، وفق هذا المنطق الميكانيكي، إما ضحية التعتيم وإما ضحية الدعاية التحريضية. غير أن علاقات الكتل الاجتماعية المنخرطة في الفعل السياسي أعقد من ذلك. نُكران هذه المعادلة التفاعلية يصب في نهاية الأمر في قراءة ذات بعد واحد، لا تفقه ديناميكية أي واقع حتى ضمن أوقات ثباته.

من بين الرؤى الجوهرانية، أي تلك التي تمنح «جوهراً» ثابتاً عبر الزمان لأي ظاهرة معينة، الرؤية التي ترى عدم قابلية شعب أو مجال جيوسياسي محدد لتحقيق الديمقراطية بما تعنيه من مؤسسات قيمية بما في ذلك حرية التعبير. وفي الوهلة الأولى تبدو هذه الرؤية ليس فقط جوهرانية ومن ثم غير واقعية من الزاوية التاريخية، بل أيضاً شديدة القسوة ومحبطة للآمال وحتى عنصرية. غير أنه من البلادة القفز لمثل هذه الاستنتاجات من دون الاعتراف أولا بأن «عدم القابلية للديمقراطية» هي أمر حقيقي وطبيعي طالما لم تتوافر ما يكفي من الأسباب حتى تتحقق. وهكذا هناك إمكان لأن يكون «جوهر ظاهرةٍ ما ثابتاً» حالما لم تتوافر العوامل الكافية لأن تعصف به الديناميكية التاريخية. فالأخيرة ليست أمراً اعتباطياً بقدر ما هي مشروطة وتتوقف ليس على فعل مانع الديمقراطية بل الأهم من ذلك على استعداد المعنيّ بتحققها. وبمعنى آخر عدم تحقق الديمقراطية لا ينشأ عن عامل القهر غير الديمقراطي فحسب بل بالأساس عن عامل عدم استعداد المقهور للتضحية بما هو عليه لكي يقتحم عالم غير المقهورين سياسيا.

يتيح لنا ذلك أن نقارب موضوع استدامة القهر زمنيا من جهة مختلفة عن الجهة الروتينية التي تضعنا أمام صراع (وهمي أحيانا كثيرة) بين القاهر ومقهوريه. حيث تبدو استدامة القهر ممكنة بالأساس ورغم التضاد المصلحي بين القاهر والمقهور بفضل توافر بنية مشتركة بينهما، أساس واحد يجمع فيه الطرفين على «عدالة» و «وجاهة» استدامة حالة القهر. يمكن اختزال هذه الظاهرة في مفهوم «اجتماع القاهر والمقهور». ورغم أن ذلك يبدو في غاية الغرابة وباعثا على الإحباط إلا أنه يمثل ظاهرة قديمة، ربما قدم الاجتماع البشري. وفي الحقيقة لن نحتاج لاكتشافات منهجية حديثة حتى نتوغل في هذا الموضوع الشائك. إذ يمكن أن نجد ما يكفي من الأفكار حول هذه المسألة في أحد كتب أبي نصر الفارابي (توفي 339 هجرية/950 ميلادية) أعتقد أنها ما زالت ذات جدوى حتى اليوم.

كتب الفارابي كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها» كواحد من تعليقاته المتواصلة على المقاربات النيو-أفلاطونية التي اعترضته عبر احتكاكه مع ما تبقى من مدرسة الإسكندرية في الفلسفة اليونانية. وطرح الفارابي رؤيته بناء على مبدأ جوهراني لمرحلة ما قبل المجتمع الديمقراطي (أو «الحديث») حيث «العدوان» مبدأ يتفوق على بقية «الخصائص الطبيعية» للشخصية البشرية ومن ثم تصبح آليات إقامة التوازن بين المعتدي والمعتدى عليه هي الصيغ الوحيدة الممكنة للتعايش الاجتماعي. وضمن هذا التصور، الذي أعيد إحياؤه في المنظومة الخلدونية فيما بعد، تمت مناقشة «مضادات المدينة الفاضلة» المتركزة في مفهوم جامع هو «المدينة الجاهلة». سأتوقف هنا تحديدا عند أحد وجوه الأخيرة وهي «مدينة التغلب» (و «المدينة الفاسقة» و «المدينة الضالة» من الوجوه الأخرى لـ «المدينة الجاهلة»). هنا تبدو كلمات الفارابي خارقة للعصور ومكتنزة لمعنى شديد الثبات وهو التعاون بين القاهر والمقهور لإعادة تشكيل معاني «العدل» و «الطبيعة» و «السعادة».

في هذا الاتجاه تبدو الفقرة التالية شديدة البلاغة للتأكيد على المعاني المفارقة التي تسود «المدينة الجاهلة» («ما قبل الديمقراطية» في قراءتنا هذه)، إذ يقول الفارابي:
«فالأقهر منها لما سواه يكون أتمّ وجودا. والغالب أبداً إما أن يبطل بعضه بعضا، لأنه في طباعه أن وجود ذلك الشيء نقص ومضرة في وجوده هو، وإما أن يستخدم بعضا ويستعبده، لأنه يرى في ذلك الشيء أن وجوده لأجله هو... وأن الإنسان الأقهر لكل ما يناويه هو الأسعد... وأنه لا ينبغي أن يكون مؤازره مساويا له، بل مقهورا؛ مثل أن يكون أقواهم بدنا وسلاحا يقهر واحدا، حتى صار ذلك مقهورا له قهر به واحدا آخر أو نفرا، ثم يقهر بأولئك آخرين، حتى يجمع له مؤازرين على الترتيب. فإذا اجتمعوا له صيرهم آلات يستعملهم فيما فيه هواه... فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضا من العدل. وأن يفعل المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضا عدل. فهذه كلها هو العدل الطبيعي، وهي الفضيلة». (انتهى كلام الفارابي).

المعادلة الفارابية للقهر والاستعداد لتقبّل القهر السياسي التي تحكم المجتمعات ما قبل الديمقراطية ليست مجرد تهويمات فلسفية. فهي تجد تمظهراتها اليومية في الانخراط الجدي لجموع الرعايا في قبول الأمر الواقع للقاهر. وتطرح تساؤلات حقيقية حول منظومة الناشطين الديمقراطيين التي تركب مفاهيمها على مركزية الصراع السالب وذي البعد الأحادي بين القاهر والمقهور. في المقابل تبدو القراءة التاريخانية لصناعة الديمقراطية المدخل المنهجي الذي يمكن أن يضع قراءة الفارابي ضمن أطر واقعية، تخرج بها من الاحتمالات المحبطة للثبات التاريخي. فالصراع بين مكونات المعادلة الفارابية لا يمكن له أن يتجسد ويحقق تحولات سياسية فعلية دون توافر ما يكفي من الآمال الواقعية التي تجعل صراعا مماثلا مثمرا بحق لمصلحة «المقهور». إذ إن الشعوب لا تطرح سوى المسائل التي تقدر على حلها.

الأربعاء، سبتمبر 23، 2009

في حداد على ضحايا فيضانات 23 سبتمبر 2009

الاخبار كانت متضاربة في البداية... فقط التقرير متاع رويترز (هنا) حسيتو دقيق الشي إلي خلاه يكون مصدر لعدة تقارير اخبارية أخرى


الآن أصبح الأمر أكثر وضوحا: منطقة قفصة خاصة منطقة الرديف تعرضت لكارثة.. فيضان في المياه يخلف ضحايا كيفم خلف فيضان البطالة ضحايا منذ عام... و باعتماد التقارير الرسمية (تقرير "وات" هنا) فمة 17 قتيل في الحصيلة الاولية

بشكل عام فإنو نفس المشهد متاع فيضانات 15 أكتوبر 2007 يتكرر..

ربما ما نضيفش حاجة كبيرة علي قلتو في التدوينة هذيكة... قناة تونس 7 كانت أفضل المرة هذية على المرة السابقة... أخيرا فهمو أنو في حالات من النوع هذا يلزم وقف البرامج العادية خاصة كان فيها شطيح و رديح و كورة... في البداية وقع الالتزام بتحيينات من عند معهد الرصد الجوي و أشرطة وثائقة (الحرب العالمية الثانية) و أخبار... و في الاخبار وقع نقل مشاهد من الفيضانات بما في ذلك من الرديف (و لو أنو ماريناش صور لعائلات الضحايا و المصابين)...
لكن بعد الستة متاع العشية رجعت حليمة الى عادتها القديمة... وقع مواكبة الوضع متاع الفيضانات من خلال شريط وثائقي على الثروة المائية في سليانة و مسلسل تركي رومنسي

فوق ذلك حسب مصادر في وزارة الصحة (هنا) فإنو الرديف ما زالت مش في حاجة الى مساعدات من تونس (إي نعم قاعد تقرى في الجملة الصحيحة: مش في حاجة)... من الذي في حاجة الى مساعدات إذا؟

صحيح أنو الفيضانات حاجة مش خاصة ببلد محدد.. كل بلدان العالم عرضة ليها... ليامات لخرة فيضانات كبيرة في جنوب أمريكا أفلست في جرتها برشة ناس.. أيضا المتغيرات المناخية بدات تتسبب في اضطرابات مناخية.. و هذا وقع تأكيدو بشكل خاص بالنسبة لتونس في دراسة علمية أميركية تنشرت العام إلي فات (هنا)... لكن طريقة التعامل معها يختلف... فمة رغبة ساعات تطغى للتبرير و التعتيم و هذا ما عمرو ما ينجم يساعد في مواجهة أزمات من النوع هذا... أسمعو مثلا التقرير الاذاعي هذا (على فايسبوك) إلي المراسل فيه ما يحبش حتى ينقل كلام الناس إلي اتصلو بيه من مواقع الفيضانات..

هذا ليس وقت مزايدات... لكن ما يجب أن يقال يجب أن يقال...

أنا في حداد على ضحايا الفيضانات متاع 23 سبتمبر... أقل الايمان


روابط لمتابعة التقلبات الجوية التي ستتواصل الليلة و غدا

فيديوات (هنا) لفيضانات اليوم و أعاصير بدأت منذ 16 سبتمبر توشي بما حصل اليوم

أخبار الاحوال الجوية من أهم قناة اخبارية في العالم عن الاحوال الجوية.. القناة الامريكية "ذو ويذر شانال" هنا

أخبار الاحوال الجوية من موقع المعهد الوطني للرصد الجوي

تحيين: نشرة أخبار الجزيرة المغاربية 23 سبتمبر
هناك خطأ في علاقة بعدد سكان الرديف: لا يمكن أن يكون 600 ألف نسمة

لكن هل الحديث (نقلا عن شهود عيان؟) عن احتجاجات في الرديف بسبب تأخر المساعدات صحيح؟

الاثنين، سبتمبر 21، 2009

في ارقام النمو

مقال صادر في "العرب" القطرية بتاريخ 20 سبتمبر 2009

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=98137&issueNo=639&secId=15

في أرقام النمو

طارق الكحلاوي

2009-09-20
في أحد أكثر الكتب مبيعاً سنة 2003 «العولمة ومعارضاتها» (Globalization and its Discontents) يقول الحائز على جائزة نوبل الاقتصادي الأميركي والأستاذ في جامعة كولومبيا جوزيف ستيغليتز (Joseph Stiglitz) ما يلي: «كتب المثقف الفرنسي بيير بورديو عن الحاجة لكي يتصرف السياسيون مثل باحثين وأن يدخلوا في نقاشات علمية على أسس البراهين والحقائق الصلبة. للأسف، العكس يحدث عادة، عندما يصبح الأكاديميون المنخرطون في صياغة التوصيات الخاصة بالسياسات الاقتصادية مسيسين، ويبدؤون في تطويع البراهين لتتناسب مع أفكار الساسة»، وإذا كان ذلك وضعا معتادا في دول متقدمة في التمرس الديمقراطي فمن الطبيعي أن يكون أكثر بديهية في بقية الدول.

من الصعب أن نشهد جدالا حول الوضع الاقتصادي التونسي من دون محاولة لتسييسه، وبطبيعة الحال لا يعني نقد «تسييس» الجدال حول الاقتصاد أن ليس هناك علاقة للاقتصاد بالسياسة، لكنه يعني أنه لا يمكن القيام بتحليل جدي للاقتصاد في سياق يرغب أولا وأخيرا في تأكيد موقف سياسي محدد من وراء ذلك التحليل، ومن ثمة فالتحليل السياسوي للاقتصاد هو تحليل انتقائي، يختار معلوماته ولا يتعامل معها تعاملا محايدا، وهنا لدينا نموذجان لهذا النوع من التحاليل، الأول ينتقي المؤشرات الإيجابية ويضخمها بلاغيا إلى درجة تفقد معها معانيها، والثاني ينتقي المؤشرات السلبية ويضخمها أيضا بنفس الطريقة التي تفقد فيها معانيها، هذا عدا أن المؤشرات التي توصف بالإيجابية والسلبية هي ذاتها في حاجة للتدقيق في أحيان كثيرة.

من المتاح لأي متتبع أن يركز على ما هو متوفر من معطيات متفق عليها، أو البراهين حسب تعبير ستيغليتز، حتى يمكن أن يفهم الاتجاه العام، في أقل الأحوال، للوضع الراهن، آخر المعطيات التي تصدرت أخبار وسائل الإعلام الرسمية تقرير صادر في إطار برنامج «مؤشر السلام الدولي» يمنح تونس موقعا متقدما نسبيا في قائمة الدول التي تعيش «مناخا سلمياً» ومن ثم مناسباً للاستثمار، رتبة تونس الأولى إفريقياً في القائمة كانت محور تركيز وسائل الإعلام الرسمية. قياس «مؤشر السلام الدولي» نابع من مؤسسة محترمة دولياً وهي «معهد الاقتصاد والسلام» (Institute for Economics and Peace) ولكنها تعرضت لانتقادات من قبل عدد من المنابر الإعلامية (مثل مجلة «الإيكنوميست») في علاقة بالمعايير التي يعتمدها القياس وحتى جدواه خاصة أن ترتيب الدول يضع عدداً من القوى الأكبر في العالم والأكثر حيازة لاستثمارات دولية مثل الولايات المتحدة في ترتيب متوسط (83)، بل متأخر عن دول مثل تونس (44) والمالاوي (47) والموزمبيق (53) بما يضع تساؤلات حول أهمية المعادلة، المبررة للقيام بهذا المؤشر، بين «السلم» و «الاستثمار».

ولكن ذلك لا يعني أن ترتيب تونس المتقدم إفريقياً في هذه المجالات لا يعني شيئاً، لم تتأخر وسائل الإعلام الرسمية عن الإشارة إلى اقتران هذا المؤشر بمؤشر «منتدى دافوس» حول «التنافسية» هذا العام والذي يضع تونس أيضاً في مقدمة الدول الإفريقية، وبرغم أن هذا المؤشر الثاني دلالة على ما يقدر المناخ الاستثماري التونسي على القيام به فإنه ليس بالضرورة مؤشراً على ما هو قائم فعلاً، وإذا كان من اللازم التركيز على قائمة الدول الإفريقية فإن الاقتصاديات الإفريقية التي توصف بأنها «الأقوى» بحساب «الناتج المحلي الإجمالي» (وهو المؤشر المعتمد عموماً لترتيب الاقتصاديات «الأقوى» في العالم) يضع دولاً، على التوالي، مثل جنوب إفريقيا (1) ونيجيريا (2) والجزائر (3) ومصر (4) في مراتب متقدمة على تونس، برغم تأخرها عنها في قياسات «المناخ السلمي» و «التنافسية». ولكن من جهة أخرى فإن الترتيب التونسي، بـ «ناتج محلي إجمالي» يزيد عن 39 مليار دولار (أرقام أبريل 2009)، ليس بعيداً في القائمة إذ يأتي في العشرة الأوائل إفريقياً، وبعد دول تتميز بمداخيل هائلة لثروات طبيعية رئيسية مثل النفط والغاز وبموارد بشرية أكثر من حيث الكمّ، ولكن ليس من حيث النوع بالضرورة.

وبرغم أنه أصبح نوعاً من الكليشيه، فإنه ليس خاطئا التركيز على معطى الموارد البشرية وبالتحديد التميز النسبي لنوعيتها في تفسير مثل هذا الترتيب إفريقياً، غير أنه من بين أبرز معضلات الاقتصاد التونسي الراهن هي توظيف تلك الموارد البشرية المدربة والمهيأة للشغل خاصة مع التوقعات السائدة بانخفاض معدلات «النمو» (نمو «الناتج المحلي الإجمالي»). وقد صرح هذا الأسبوع الوزير الأول التونسي محمد الغنوشي بأن نسبة «النمو» في تونس هذا العام 2009 ستكون في حدود %3 ولن تتجاوز %3.5 في أحسن الحالات، في حين يمكن أن تبلغ %4 في سنة 2010. هذه النسبة تمثل تراجعا ليس هينا عن نسب «النمو» التي ميزت السنوات الفارطة. إذ عرف الاقتصاد التونسي مثلاً سنتي 2003 و2004 ما وصف من قبل المؤسسات المالية الدولية بأنه «نمو سريع» بنسب تراوحت بين %5.6 و%6، وكان الظرف الزراعي السيئ سنة 2005 وراء تراجع النسبة إلى %4، قبل أن تعود للارتفاع سنة 2006 إلى مستوى %5.5 وتستمر في الارتفاع سنة 2007 إلى %6.3. لكن بحلول سنة 2008 بدأ مؤشر «النمو» في التراجع ليصل إلى %4.5. وبرغم ارتفاع مستوى التضخم في نفس السنة إلى مستوى %5 إلا أنه كان من المتوقع أن ينخفض هذه السنة.

والتراجع الحالي في «النمو» لا يجب أن يكون مفاجئاً إذ هو في علاقة مباشرة بتراجع نسب «النمو» عالمياً والتداعيات غير المباشرة لـ «الأزمة المالية» العالمية، ويأتي «تأجيل» مشاريع عقارية ضخمة في محيط مدينة تونس ضمن هذا الإطار، غير أن مشاريع عقارية ضخمة أخرى لم تتأثر بالوضع الدولي وانطلقت بالفعل. كما أن نسب السياح القادمين من الأقطار العربية المجاورة خاصة ليبيا والجزائر والتي فاقت المليون زائر من كلٍ منهما أسهمت في الحد من تقلص «النمو»، خاصة أمام تناقص نسبة السياح الأوروبيين.

ولكن حتى نفهم المشكل الحالي وبالتحديد عدم توازن العلاقة بين نسب النمو الراهنة والقدرة على توظيف الموارد البشرية يجب هنا أن نستذكر تصريح السيد الغنوشي في شهر يونيو 2007 والذي كان أشار إلى ضرورة تحقيق نسبة نمو تفوق %6 حتى يمكن تلبية الحاجات الشغلية للمتحصلين على شهادات عليا والتي كانت ستزيد آنذاك بنسبة %94. وبهذا المعنى فإن انخفاض نسبة النمو في السنوات اللاحقة (2008 و2009) تحت نسبة %6 يعني القصور عن تلبية الحاجات الشغلية المتجددة خاصة أمام التدفق المستمر والمتزايد من المتحصلين على الشهادات والمهيئين لسوق الشغل. وقد أشارت أرقام رسمية نُشرت بمناسبة ندوات «الحوار مع الشباب» سنة 2008 أن نسبة البطالة لمن هم أكثر من سن 15 سنة تصل إلى %14. في حين تصبح النسبة أكثر ارتفاعاً عندما يتعلق الأمر بمن هو في عمر يتجاوز السن الدراسية لمرحلة التعليم العالي، إذ تصل نسبة البطالة لمن هم بين سن 25 و29 سنة إلى ما يزيد عن %27.

يطرح ذلك سؤالا منهجيا أساسيا وهو العلاقة بين نسبة «النمو» وتحسن الوضع الاجتماعي، وكان أحد أهم رموز المؤسسات المالية الدولية من بين أول من تساءل حول أهمية نسب «النمو» المبنية على ارتفاع «الناتج المحلي الإجمالي». إذ أكد روبرت ماكنامارا الرئيس السابق لـ «البنك الدولي» أن «النمو» الذي ميز «الدول النامية» في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم يمس وضع %40 من مجتمعاتها.

وكانت دراسة كل من إيرما أدلمان (Irma Adelman) وسنتيا موريس (Cynthia Morris) سنة 1973 حول «النمو الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي في الدول النامية» وضعت منذ ذلك الوقت ما يكفي من المعطيات والأسئلة التي لا تزال تدعم إلى اليوم من قبل باحثين آخرين، بما في ذلك ستيغليتز نفسه، حول أن «النمو» لا يعني ضرورة تحسن الوضع الاجتماعي للفئات الأكثر فقرا في المجتمع. وبهذا المعنى فإن المؤشرات التي تستحق الاهتمام والتركيز في هذه الحالة ليست فقط وبالأساس تلك المتعلقة بـ «التنافسية» و «المناخ السلمي»، بل تلك المتعلقة بنسب التشغيل وارتفاع الدخل، مقارنة مع ارتفاع الأسعار، في الطبقات الوسطى والفقيرة.

الأربعاء، سبتمبر 16، 2009

فيديو: بافاروتي، مقطع "ضع رداءك"، أوبيرا

مختارات فيديو وضعتها على فايسبوك خلال الصيف

أفضل و أشهر ما تقمص و أدى بافاروتي... إنكسار المهرج في مقطع "ضع رداءك".. أوبيرا "المهرجون" للايطالي ليون كافالو (1892).. أدى هذا المقطع الكثيرون لكن لايزال بافاروتي (حتى بعد وفاته) الأكثر قدرة على الهيمنة على مستمعيه

تعريب بتصرف

إقرأ! و أنا خارج وعيي
لم أعد أعرف ماذا أقول ،
أو ماذا أفعل!
مع انه من الضرورى... هيا ابذل جهدا!
باه! ألست رجلا؟
أنت مهرج!

ضع رداءك ،
ضع المسحوق على وجهك.
دفع الناس لكي يكونوا هنا ، ويريدون الضحك.
وإذا أراد هارلكان سرقة كولومبينا ،
اضحك أيها المهرج لكي يصفق الحشد!
إجعل الاستغاثة والدموع مزاحا ،
إجعل آلامك و نحيبك وجها مضحكا -- آه!

إضحك أيها المهرج،
لحبك المكسور!
إضحك على حزنك الذي سمم قلبك!

الكلمات الأصلية بالايطالية

Recitar! Mentre preso dal delirio,
non so più quel che dico,
e quel che faccio!
Eppur è d'uopo, sforzati!
Bah! sei tu forse un uom?
Tu se' Pagliaccio!

Vesti la giubba,
e la faccia infarina.
La gente paga, e rider vuole qua.
E se Arlecchin t'invola Colombina,
ridi, Pagliaccio, e ognun applaudirà!
Tramuta in lazzi lo spasmo ed il pianto
in una smorfia il singhiozzo e 'l dolor, Ah!

Ridi, Pagliaccio,
sul tuo amore infranto!
Ridi del duol, che t'avvelena il cor!

ملاحظة: اسم المقطع بالايطالية
Vesti la giubba
و الذي اخترت تعريبه هنا "ضع رداءك" لكن أصل الكلمة الايطالية للـ"رداء" هي كلمة "الجبة"... و التي لها علاقة ما طبعا بكلمة "الجبة" العربية

الأحد، سبتمبر 13، 2009

تونس 2050؟

مقال صادر في "العرب" القطرية بتاريخ 13 سبتمبر 2009

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=97323&issueNo=631&secId=15

قبل الاطلاع على نص المقال يمكن لمن لم يشاهد أي من حلقات سلسلة "تونس 2050"، و التي هي منطلق هذا المقال، أن يشاهدها في مجموعة خاصة بها على فايسبوك
http://www.facebook.com/pages/Tunis-2050/122825117040?ref=ts

هنا أيضا موقع السلسلة على الانترنت
http://www.tunis2050.com/


تونس 2050 ؟

طارق الكحلاوي

2009-09-13
كيف ستكون تونس في حدود سنة 2050؟ لا نفكر ربما في هذا السؤال كل يوم لكنه على أية حال سؤال يحتاج منا الانتباه، ولو أن البعض منا لا يستوعب أحيانا ما يحدث في تونس 2009.

في وسط كومة البرامج التلفزية في رمضان أتيح لي مشاهدة سلسلة كوميدية كرتونية معدة للكبار (Animated Sitcom) تونسية بعنوان «تونس 2050». هذا النوع من المسلسلات الذي اكتشفته في الولايات المتحدة منذ سنوات، خاصة مع سلسلتي (The Simpsons) و(South Park) ذائعتي الصيت الآن، أصبح رائجا مع تطور برمجيات الكمبيوتر ودمقطرتها دوليا بحيث يمكن الآن لمنتجين من أقطار ما زالت نامية أن ينتجوا هذا النوع من البرامج بجودة عالية نسبيا يمكن مقارنتها بالجودة الدولية (ما تم في هذه الحالة من قبل شركة (CGS 3D Visual Effects) وهي مؤسسة متركزة في تونس وبإطارات تونسية على الأرجح).

من بين أهم خصوصيات هذا النوع من المسلسلات هو الاستغناء عن صورة الممثل البشري (وليس صوته ضرورة) والقدرة على تطويع شكله وكذلك ظرفيه المكاني والزماني بأبعاد تتفوق على الأبعاد الممكنة في غير ذلك من الوسائط. فيها يملك كاتب السيناريو والمخرج قدرة أكبر على تصنيع مخيالات أكثر تعقيدا وتكثفا. سلسلة «تونس 2050» ليست على ما يبدو الأولى من نوعها في تونس لكنها بدت لي مجددة في المشهد التلفزي التونسي من حيث الجودة ولكن خاصة من حيث المضمون. إذ تعرضت إلى محور مهمش في الإنتاج الدرامي التونسي (وطبعا فيما هو غير درامي أيضا) وهو محور «المستقبليات» (futurology) والذي لا يهم طبعاً مجالات السياسة والاستراتيجيا فحسب بل الفنون أيضاً. ومثلما هو واضح من العنوان تهتم السلسلة بما يمكن أن تكون عليه مدينة تونس وسكانها أساسا (وليس كل البلاد التونسية بالضرورة) في سنة 2050. لكن هل عالجت السلسلة كل ما يمكن أن نشغف بتوقعه بعد أربعين سنة من الآن أم اجتزأت في توقعاتها المستقبلية وفقا للحدود التي تتصرف فيها في واقع اليوم؟

الصبغة الكوميدية الناجحة بشكل متفاوت تتضمن مثلا المشهد الكاريكاتوري لاستعمال الروبوتات «المتونسة» وتغيير مناهج التعليم لتحتوي مادة «البلاي ستايشين»، إلى جانب مقاطع كوميدية تبحث عن قدرة «التونسي الأصيل» (الاصطلاح الذي يعكس فهما جوهرانيا لـ «هوية تونسية» ثابتة) على البقاء بحلول سنة 2050. غير أن الصورة الطاغية هي تلك التي تركز عليها زاوية نظر المخرج (في بداية ونهاية وبين ردهات السلسلة)، صورة المشهد الحضري المختنق بناطحات السحاب من الطراز المعماري «الدولي» (International Style)، الذي أصبح منذ عشريات قليلة يمثل نموذج المشهد الحضري الأميركي المسوق في بقية أنحاء العالم، بما يجعله موازيا تقريبا للعصرنة الحضرية ذاتها، مسقطا بذلك صورة «العمارة السائدة» الآن على الطرز المعمارية الممكنة بعد نصف قرن. فصورة «تونس 2050» تبدو مؤسسة على الصور المتوقعة للمدن المبرمج إنشاؤها حذو العاصمة تونس (مثل «تونس سبورتس سيتي») من قبل شركات عقارية عربية والتي تم توقيع عقودها في السنوات الأخيرة. تونس 2050 تبدو من خلال الزاوية التي تنظر من خلالها سلسلة «تونس 2050» هي الصورة التي يتجه إليه الطموح الراهن، وبالتحديد الطموح «التحديثي العقاري».

لا يعني ذلك أن النظرة المستقبلية للسلسلة التلفزية غير خلاقة فقط بل هي مجتزأة أيضا. بافتراض أن معنى التحديث سنة 2050 سيبقى محصورا في المشهد الحضري القائم على «الطراز الدولي» فإن النظرة المستقبلية، التي يمكن تسميتها بـ «العقارية» أساسا، تضع جانبا معاني أخرى للتحديث. لتضع جانبا خصوصية والترافق المنسجم في النموذج الأميركي بين العصرنة الحضرية من خلال التركيز على «الطراز الدولي» والمنظومة الاجتماعية والاقتصادية القائمة على سيادة رأس المال المالي والمشكلة للأساس المادي الواقعي لتلك العصرنة الحضرية. لنضع جانبا مدى قدرة «البرجوازي التونسي» على تحمل العبء المالي لنموذج «دبي المكررة». هل التحديث المشهدي المعماري سيستطيع أن يغنيني عن بقية مجالات التحديث، وعلى وجه التحديد: هل يمكن لتونس 2050 أن تمارس العصرنة الحضرية والمدينية المعمارية بمعزل عن مدى قدرتها على ممارسة العصرنة الاجتماعية والثقافية والسياسية؟ هل يمكن لحداثة العام 2050 أن تتحمل قطيعة بين التحديث المشهدي والآخر الإنساني؟

عندما أفكر كيف ستكون تونس سنة 2050 فسأفكر، إلى جانب ناطحات السحاب من «الطراز الدولي» ربما، في مدى تحملها مثلا لنقابة للصحفيين مستقلة تتسع لمختلف الحساسات المسيسة وغير المسيسة، القريبة من السلطة وغير القريبة منها. في الأسبوع الماضي فقط وبعد عمر غير طويل منذ مؤتمرها الأول في بداية سنة 2008 لم تستطع أول نقابة للصحفيين في تاريخ تونس المعاصر أن تحافظ على وحدتها التنظيمية واستقلاليتها. وفي أحد شوارع مدينة تونس 2009 تمت مراسيم نقل سلطات السيطرة على مقر النقابة من فريق إلى فريق آخر بشكل لا يمكن وصفه في أقل الأحوال بأنه مشرف للصحافة في تونس، وهو ما استدعى تنديد «الاتحاد الدولي للصحافيين».

عندما أفكر كيف ستكون تونس 2050 فسأفكر بالتأكيد في مشهدها الصحافي، الذي سيكون مهيمنا عليه إلكترونياً على الأرجح، وما إذا كانت ستتحمل حياة صحافية مستقلة ومتنوعة تمارس دورها الحداثي، الذي لا يقل أهمية عن دور ناطحة السحاب، بما هي سلطة رابعة، على فرض وجود مستقل ومؤسساتي لبقية السلطات الثلاث. حياة صحافية حديثة مشهدياً ولكن أيضاً في المضمون، حيث يمكن لنا أن نقرأ أعمدة رأي جذابة ومؤثرة في مجتمعها تمارس دور إذكاء النقاشات العامة والمساهمة في توجيهها. حياة صحافية عصرية حيث يصبح فعلا وليس قانونا فقط من حق أي طرف سياسي أن يطلق منابر إعلامية باسمه بمجرد الإعلام. حياة صحافية حديثة حيث يمكن أن نرى في الإعلام الحكومي بالذات، الممول من دافعي الضرائب، تقارير تمارس دور الرقابة الإعلامية على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. عندما أفكر كيف ستكون تونس 2050، أي بعد ما ينقص قليلاً عن القرن منذ استقلالها، فسأفكر حتما ما إذا كان برلمانها، المعاد بناؤه ربما حينها، أو ذاك الذي سيبقى في ضاحية باردو، قابلا أن يستقبل مجلسا تشريعيا متوزعا بين كتل سياسية متنوعة، لدى بعضها الأغلبية (البسيطة) التي تمكنه من أن يحكم، ولكن أن يسقط من الحكم أيضا إذا ما استطاعت الأقلية أن تقنع جمهور الناخبين في الانتخابات الموالية بفشل سياسات الحكومة السابقة. سأفكر بشكل عام في مختلف مستويات السلطة التنفيذية المنتخبة ما إذا كان مبدأ التداول على السلطة فيها مبدأ ورقيا أم واقعيا. إذ في المكسيك تم التنصيص دستوريا على هذا المبدأ غير أنه لم يتحقق إلا بعد 90 عاما من دولة الحزب «المؤسساتي الثوري» المكسيكي.

الخطاب السياسي السائد إعلاميا في تونس 2009 يركز على «ديمقراطية تونسية توافقية ومتدرجة» يمنح فيها الماسك بالسلطة نسباً مئوية متصاعدة لمعارضيه، من معارضي «المساندة النقدية» تحديداً، لولوج البرلمان. من غير المعروف بحساب تصاعد النسب المئوية كل دورة انتخابية تشريعية إذا ما كانت تونس 2050 ستعرف حزبا آخر في السلطة غير الحزب الذي سيكون حكمها قرابة القرن. طبعا من وجهة نظر سياسية صرفة سيكون مضيعة للوقت إذا ما عولنا على «المساندين النقديين» من النوع السائد الآن أن يصلوا يوما إلى السلطة، خاصة إذا ما دأب المرشح «المساند النقدي» للرئاسيات مثلا على القيام بحملة انتخابية تدعو للتصويت للرئيس المنافس.

بمعزل عن الشعاراتية الكامنة في طروحات «الديمقراطية المتدرجة» خاصة عندما تصدر عن فاعل سياسي له علاقة وطيدة بتحديد قوانين اللعبة (وليس عن مراقب محايد)، فإنه ليس خاطئا القول إنه لم تتحقق تجربة للانتقال الديمقراطي في تاريخ البشرية المعاصر بدون توفر شروط تتعالى على إرادوية الناشطين الديمقراطيين. إذ مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية تفرض عادة رغبة اجتماعية عارمة لتحقيق الانتقال الديمقراطي، بأشكاله المختلفة السلمية وغير السلمية أحيانا. لا يمكن التنبؤ بماذا سيحدث سنة 2050 تحديدا، ولكن من غير المعيب للناشطين الديمقراطيين أن يشتغلوا أيضا على مجال «المستقبليات»، والتوقف ولو قليلا عن كتابة البيانات، حتى يمكن لهم وضع تصور عقلاني لمسار الدمقرطة المحتمل.

في الأثناء يمكن لنا التمتع بحلقات سلسلة «تونس 2050» المسلية بلا شك، حتى إذا كانت مهتمة بـ «حداثة ناطحات السحاب» فحسب.

السبت، سبتمبر 12، 2009

إريك ساتي: "الغنوسيان" رقم واحد



موسيقى ساتي: الغنوسيان
صور متفرقة.. سيارات معطلة مثل ذاكرة متقادمة... صور تشبه وحي الذاكرة.. صور أيقظتها رحلة الصيف الأخيرة

نص يُقرأ مع الغنوسيان رقم واحد

1

تمر السيارة الأولى، فالثانية، فالثالثة... و لا أحد يسمح له بمسح الزجاج الأمامي، أو أي زجاج آخر.

الغبار يعلو. عاصفة صغيرة من رمل الحظائر تلف قيظ منتصف النهار ليوم نموذجي من أيام أغسطس/أوسو. بدا الوضع سورياليا.

لا يتردد في الجري وراء السيارة الرابعة، فالخامسة...

2

أستمع إلى موسيقى ساتي الآن. نوافذ السيارة، زجاجها، مغلقة بإحكام. أرى في الخارج القيظ المتصاعد مع الرمل و الغبار. أزيد درجة إضافية في زر المبرد.

لم أتعرف على ساتي في الوقت المناسب. تذكرت فيما بعد أني انجذبت إلى أكثر موسيقاه رواجا في فيلم تونسي خارج التصنيف. كانت تلك الموسيقى تحديدا كل ما يجب أن أتذكر من الفيلم. فيما بعد فقط تعرفت على إريك ساتي. "الغنوسيان" رقم واحد، كانت تلك القطعة محفورة دائما لدي كأني استمعت إليها قبل الولادة. لا شيء خارق للعادة، نوتة مترددة و بطيئة على الأكثر. حتى الآن لم نعرف بعد ماذا كان يقصد تحديدا، بـ"الغنوسيان". و ربما أصاب هدفه في نهاية الأمر.. فنحن لانزال لا نعرف. إذا كان من الضروري أن أقول شيئا الآن فإنها و غيرها من مقطوعاته المتشابهة على البيانو طلاسم لا غير. طلاسم فاخرة. طلاسم لا يمكن إلا أن أستمع إليها بتكرار. و بدون ندم.

الغبار يعلو. سيارة سادسة تقترب.

3

السيارات مصطفة بلا نهاية. هناك الكثير من باعة الطريق يتمشون في تحد واضح للقيظ و الغبار.. و الزجاج المغلق بلا رحمة.

لا أدري لماذا اعتقدت أني رأيته قبل هذه اللحظة. ليست لديه ملامح مثيرة للانتباه. وجه بلا ملامح. وجه طفل شديد التكرار.

السطل البلاستيكي الصغير أيضا بدون ملامح. مفسوخ تماما. الخرقة فقدت لونها، و حتى لو حافظت عليه فلا أرجح ان تكون ذات ملامح.

كان كل شيء فيه و في متعلقاته لا يستحق التذكر.

لماذا إذا أعتقد الآن أني رأيته قبل الآن.

أخفض زر المبرد.

4

أرى من البعيد رصيف الميناء القديم. بدا البحر عميقا و متسخا للغاية. بقع الزيت الشاسعة تلمع بفخر واضح و في انسجام رائع مع الشمس. أو ذلك ما استطعت أن أراه وسط القيظ و الغبار. لم يكن من السهل الجزم.

لست متأكدا أنه يلبس صندالا أم ماذا. لكنه كان يجري براحة ملفتة. كان يرمي بالخرقة على كل حال، بمائها العفن المتسخ، على البلور الأمامي لكل سيارة تعترض طريقه، قبل أن يتلقى إصبع النهي المتعصب من داخل الزجاج المغلق.

خلفه يتقافز الصبي الذي يحمل كتب القرآن و الأدعية المجهرية الصغيرة المصممة للجيب الأصغر في سروال دجينز من النوع القديم. لم يكن مرتاحا لذلك. لكن ليس من الصعب أن نفهم أنهم فريق واحد من المفترض أن يشتغل بشكل متناغم. تنظيف البلور الأمامي يعني إمكان فتح النوافذ و من ثمة ربما بيع بعض الأدعية. خطة بسيطة لكن من المؤكد أنها أثبتت نجاعتها، حسب اعتقادي.

5

ساتي لا يزال يكرر "الغنوسيان" مثلما حكمت على مشغل "السي دي" لدي في السيارة.

أي عالم بديع هذا: "الغنوسيان" وسط القيظ و الغبار و صبية شبه حفاة... محمية بزجاج النوافذ مع المكيف.

لم أعد متأكدا أني رأيته في السابق. ربما أردت أن أشعر بحميمية تجاهه و هو الملقى في الخارج بدون زجاج أو مكيف.

ربما جرتني النوستالجيا الملغمة في "الغنوسيان" (رقم واحد) إلى تخيل ماض في وجهه.

6

ألقى بخرقته المتعفنة فوق البلور الأمامي. أشرت إليه بإصبعي ناهيا متعصبا. أطلقت بعض السباب أيضا.

دفعت بالسيارة بعيدا و بسرعة.

رفعت في زر المبرد.

(انتهت)