السبت، ديسمبر 05، 2009

أزمة دبي

مقال مختصر كتبته حول أزمة دبي في سياق التحضير لمقال حول التركيبة الجديدة للوضع الاقتصادي العالمي
الجزيرة نت الجمعة 4 ديسمبر

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/710E9A03-B4CF-4EC6-AAE8-1EBE0609E5A5.htm


أزمة دبي

طارق الكحلاوي

الأنباء آخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عن طلب إمارة دبي إرجاء دفع ديون أهم شركاتها (دبي العالمية) بمليارات الدولارات إلى ستة أشهر قادمة، تزامن مع "الجمعة الأسود" بالولايات المتحدة.

يوم الجمعة الأخير من نوفمبر/ تشرين الثاني كل عام الذي يلي الاحتفال بيوم "عيد الشكر" هو عادة يوم الاستهلاك بامتياز، وكان خاصة منذ الحرب العالمية الثانية تعبيرا عن تشجيع الدولة في السياق الليبرالي الرأسمالي للاستهلاك بوصفه محركا رئيسيا للنمو.

غير أن "الجمعة الأسود" ربما يأخذ في السياق الشرق أوسطي معنى آخر على خلفية ما حدث في دبي، ولو أن تداعيات هذا الحدث تمس بكل تأكيد العواصم العالمية المالية الرئيسية.

الحلول الطارئة
المعطيات المتوفرة مازالت غير نهائية، لكن يمكن لنا أن نرسم الصورة التالية. شركة دبي العالمية هي أهم شركات الإمارة وقاطرة الاستثمار العقاري فيها.

وفي الوقت الذي تشير فيه التقديرات إلى أن الناتج الإجمالي المحلي للإمارة في حدود 50 مليار دولار فإن الديون المستحقة عليها خاصة عبر دبي العالمية تتراوح بين 60 و100 مليار دولار، وذلك وحده كفيل بالتعبير عن حجم الإشكال الراهن. كبير الدائنين بنوك بريطانية مع بعض البنوك الأوروبية الأخرى.

دبي ذات الحجم السكاني الصغير نسبيا (1.5 مليون نسمة من بينهم 20% فقط من المواطنين) لا يمثل النفط إلا 6% من الناتج الإجمالي المحلي، إذ يرتكز اقتصادها على الخدمات وجموع غفيرة من عاملي البناء والإداريين من متكلمي اللغة الإنجليزية وهي بذلك تركيبة فريدة في محيطها العربي والخليجي تحديدا.

المراهنة منذ سنوات كانت على العقارات الفخمة، وهكذا تم مثلا بناء أطول وأغلى النزل ومجموعة من الجزر المصطنعة الأكبر في العالم لتتركز فيها ثروة عقارية مميزة.

على المدى القصير لا يبدو أن هناك قلقا من أن الأزمة ستكون عميقة أو دون حلول إنقاذية وطارئة.

إمارة أبو ظبي الشقيق الأكبر في دولة الإمارات العربية المتحدة تمتلك أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم بما يفوق 650 مليار دولار، وليس من مصلحتها تراجع موقع دبي.

إذ رغم المشاكل الخاصة بوحدة السياسات المالية داخل دولة الإمارات، فإن إمارة دبي مثلت مصدرا ريعيا مفيدا لجاراتها التي لا تزال تعتمد أساسا على ريع النفط.

السؤال الآن هو: بأي شروط ووفق أي توازنات جديدة ستدفع إمارة أبو ظبي على الأقل جزءا كبيرا من ديون إمارة دبي؟

هناك أخبار عن عزم أبو ظبي تحديد أولويات في خصوص الديون المتعلقة، لكن أهم معطى هو أن السلطات البنكية المركزية أعلنت بوضوح منذ 29 نوفمبر/ تشرين الثاني أنها ستقوم بالتدخل في الأزمة في اتجاه الحد منها.

من منظور دولي
مما لا شك فيه فإن وزن دبي المالي والاقتصادي هو بالقوة الكافية الذي يجعل أزمتها ذات آثار دولية واضحة. تململ الأسواق المالية من آسيا حتى الولايات المتحدة نزولا وصعودا منذ الإعلان عن طلب تأجيل دفع الديون مؤشر أساسي على هذا التأثير.

هناك أنباء عن تأثر مجمعات صناعية كبيرة بهذه الأنباء مثل شركتي "بوينغ" و"إيرباص" لصناعة الطائرات. بعد بدء الاقتصاد الأميركي في النمو وظهور نسب نمو كبيرة في الاقتصادات الصاعدة مثل الهند (أكثر من 7%) فإن الأخبار القادمة من دبي تؤكد أن هذا الانتعاش الظاهر شديد الهشاشة ويمكن أن يتبخر بسهولة.

وليس من الغريب أو المفاجئ أن تنهار شركات كبرى تهيمن على اقتصادات كاملة بعد سنوات من أزمة مالية كبرى. إذ لم تنهر أكبر الشركات الكورية الجنوبية (شركة دايو) إلا بعد عامين من الأزمة الآسيوية الضخمة منتصف تسعينيات القرن الماضي.

أزمة دبي هي أزمة متعددة الأوجه، ولكنها بالتأكيد أزمة مشابهة بنيويا لأزمة العقارات بالولايات المتحدة. إذ رغم أن سيرورة الأزمة في ولايات مثل فلوريدا وكاليفورنيا كانت متعلقة بمنح قروض عقارية كبيرة وبفوائد أعلى من القدرات المالية للمدينين، وليس الأمر تحديدا كذلك في حالة دبي، فإن الشكل العام للأزمة يبقى متشابها، أي المراهنة المالية غير المتوازنة على الاستثمار العقاري.

إذ كانت قيمة القروض وفوائدها أكبر بكثير من عوائد الاستثمارات العقارية، ولم تكن الأزمة العقارية الأميركية وتداعياتها الدولية ماليا واقتصاديا والتي انكشفت بوضوح قبل عام من الآن إلا أداة تسريع لاختلال التوازن بين الاستثمارات المالية والاستثمارات العقارية.

وما يطرح الكثير من التساؤلات هو أن احتمالا متجددا بنشوء وضع "الفقاعات" العقارية الذي أدى للأزمة الحالية لا يزال قائما مثلما أشار رئيس البنك الدولي روبرت زوليك مؤخرا، منتقدا تواصل السياسات النقدية "المتراخية" للبنوك المركزية عبر العالم.

وأشار بعض المحللين للاستثمار العقاري في هونغ كونغ مثلا في الأسبوع الأخير، إلى احتمال نشوء حالة مماثلة هناك.

حلول الطوارئ التي تستنزف الصناديق السيادية ليست بالضرورة مؤشرا على آفاق إيجابية. إذ أنها تعني بالأساس أن هذه الصناديق ستنخرط في النهاية في لعبة تسديد الديون وفوائدها المتراكمة بما يعرضها للخسارة على المدى الطويل، خاصة إذا تراجع السيل المالي القادم من الريع النفطي أي المصدر الأساسي لهذه الصناديق بسبب تراجع أسعار النفط.

الدين السيادي
مثلما أشار المعلق الاقتصادي البارز وليام بويتر فإننا ندخل مرحلة تضخم الدين السيادي أي الذي يُخضع معه ميزانيات دول، وتباعا احتمال العجز عن التسديد، وعلى الأرجح لجوء البنوك المركزية لسياسات التضخم المالي.

فقد عجزت إمارة دبي في هذه الحالة ووجدت سندا في أبو ظبي، لكن ذلك ليس بالضرورة ما سيحصل في حالات أخرى. تضخم الدين الخارجي للدول أصبح حالة واسعة الانتشار بما في ذلك في اقتصاديات كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا.

والأخطر مثلما هو الحال في دبي أو حتى في الاقتصاديات الكبرى هو تقارب أو حتى تجاوز قيمة الدين مقارنة بقيمة الإنتاج المحلي الإجمالي بحلول سنة 2014.

وهكذا فإن أزمة دبي هي في نهاية الأمر علامة أخرى في طريق أكثر خطورة من الأزمة الحالية، أي الطريق نحو تخلخل المؤسسات المالية الحكومية الضامنة للشركات المنهارة. وهكذا نحن مرة أخرى إزاء وضع تلعب فيها مظاهر الانتعاش دورا تضليليا يخفي مزيدا من التأزم في أسس النظام الاقتصادي الدولي

0 التعليقات: