الاثنين، جانفي 26، 2009

الرئيس أوباما وغزة: ملاحظات أولية

مقال تنشر (هنا) متأخر بنهار بما أني بعثتو إمخر... نظرا لطول النسخة الأصلية اختصرتو لدواعي النشر... حبيت ننشر هنا النسخة الأصلية الأطول



إنتهت فترة "الرئيس المنتخب" و بدأت منذ 20 يناير الماضي السلطة التنفيذية للرئيس أوباما. حتى هذا التاريخ كانت ظروف مختلفة توفر إلى حد ما بعض الأسباب التي لا يمكن أن تسمح بقراءة موضوعية لردود أفعال أوباما. حتى الصمت الذي حافظ عليه أوباما في الأسابيع التي استغرقتها الحرب على غزة و الذي جوبه بالتنديد من قبل بعض الأوساط تم تفسيره من قبل بعض الأوساط الأخرى بأنه كان "أمرا طبيعيا" و لأسباب "مفهومة" بالرغم من عدم التركيز عليها إعلاميا. الصحفي اليهودي الأميركي م. ج. روزنبرغ الذي قطع مع "اللوبي الإسرائيلي" منذ اتفاقيات أوسلو و أصبح أحد أهم أعضاء "منتدى سياسة إسرائيل" الكثير الانتقاد لهذا اللوبي أشار في عموده على موقع (talkingpointsmemo.com) بناء كما قال على مصادر مقربة من أوباما أن صمت الأخير كان ناتجا عن خلاف في تقييم الموقف و كيفية رد الفعل عن الإدارة المتخلية. يفسر روزنبرغ بناء على مصادره بأن من التقاليد الأميركية أن الرئيس المنتخب يمكن أن يعبر عن آرائه في المرحلة الانتقالية (منذ انتخابه حتى تسلمه السلطة) إلا إذا تعلق الأمر بحالة يكون فيها رأيه مخالف للإدارة المتخلية في ملفات الشؤون الخارجية. الآن و بالرغم من مرور أقل من أسبوع على تسلمه السلطة يمكن أن نسوق بعض الملاحظات الأولية حول ما يمكن أن يميز سياسة الإدارة الجديدة عن الإدارة المتخلية في ملف الصراع العربي الإسرائيلي.

أولا، لنبدأ من الخطاب الافتتاحي يوم 20 يناير. بالرغم من عدم تعرضه لملف الصراع العربي الاسرائيلي بما في ذلك الحرب على غزة إلا أن النبرة العامة للخطاب تميزت بنقد واضح للإدارة المتخلية في مختلف الملفات بما في ذلك الخارجية أدى إلى ردود فعل غاضبة من قبل مساعدي الرئيس السابق في الاعلام الاميركي. أوباما حرص بشكل واضح على تكرار استعمال كلمة "مسلمين" أو "عالم إسلامي" بشكل غير مسبوق في خطاب رئاسي افتتاحي. الجملة الرئيسية التي تستحق التعليق هي:"إلى العالم الإسلامي نقول: إننا نسعى لسلوك طريق جديدة إلى الأمام، إنها طريق تستند على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل". قال أوباما ذلك و وراءه الرئيس المتخلي بما يعني الاقرار بأن ما "قمنا به" في السابق كانت "طريقا لا تستند على المصلحة المشتركة و الاحترام المتبادل". ليست هذه مجرد تمارين خطابية، إذ أن اختيار الخطاب الذي شاهده العالم بأسره لكي يعلن ما يشبه الاعتذار عن سلوكيات الادارة المتخلية أمر يستحق الانتباه. و ليس من الصدفة أن هذه الجملة تحديدا حازت موقعا رئيسيا في تغطية الصحف الاسرائيلية من الغد.

ثانيا، نأتي الآن للكلمة التي ألقاها في مقر وزارة الخارجية يوم الخميس أثناء الاعلان عن تعيين جورج ميتشل كمبعوث خاص للشرق الأوسط (الأمر الذي سأتعرض إليه في النقطة الموالية). طبعا الكلمة لا تتضمن الموقف الذي يتمنى أن يسمعه أي مراقب منصف للحرب على غزة من خلال التنديد بالطرف الاسرائيلي القائم بالعدوان و بمجازر مروعة. لكن فيه نقاط تؤكد فعلا أن هناك تميزا واضحا عن الادارة المتخلية. سأنقل هنا ملاحظات الصحفي جيم لوب مدير مكتب واشنطن لوكالة (IPS) للأنباء في موقعه (www.ips.org/blog/jimlobe) التي أعتقد أنها تقدم أفضل تحليل لهذه الكلمة و أيضا لمغزى تعيين جورج ميتشل كمبعوث خاص. ملاحظات لوب تؤكد ليس على المتوقع (أي العبارات العامة التي تشير إلي تعاطف مبدئي مع إسرائيل) و لكن على غير المتوقع أو المختلف عما كان معتادا في الثماني سنوات السابقة. يشير لوب إلى أن الكلمة قطعت مع أسلوب الادارة المتخلية التي تتجاهل قتل المدنيين الفلسطينيين من خلال التركيز على العبارات التي "تحمل المسؤولية لحماس" بما يشكل إشارة واضحة إلى أن قتل المدنيين الفلسطينيين أمر لا يمكن تبريره تحت أي مسمى. لكن الأهم من ذلك هو الخطوط العامة التي ضمنتها الكلمة في علاقة بالوضع الراهن بما يشكل خريطة طريق لأفكار الادارة الاميركية خاصة في علاقة بكيفية تسيير وقف اطلاق النار الراهن و هي لا تتضمن وقف إطلاق الصواريخ و الانسحاب الاسرائيلي من غزة فحسب بل الأهم من ذلك فتح المعابر ليس للمساعدات الانسانية فقط ول كن أيضا "للتجارة" بما يشكل دعوة واضحة لرفع الحصار و هو مطلب رئيسي للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة و هو كذلك المطلب الذي تم تجاهله بشكل كامل طيلة السنتين الأخيرتين من قبل الادارة المتخلية. النقطة الأخرى هي الطريقة التي تمت بها الاشارة إلى الآلية التي تقوم بمراقبة المعابر غير الاسرائيلية (أي بالتحديد معبر "رفح") من خلال الاشارة ليس إلى شرط رجوع السلطة في غزة إلى "السلطة الفلسطينية" بل حصره ذلك في "مشاركتها" في مراقبة المعابر و هو الأمر الذي يمكن أن يحصل بشكل رمزي مع تواصل تواجد "حماس" بشكل ما قرب المعبر و هو الأمر الجاري حوله التفاوض أصلا في القاهرة. الجملة الأخرى التي تؤكد التخلي عن شرط رجوع سيطرة حكومة تسيير الأعمال في رام الله على غزة قبل رفع الحصار هو الاشارة إلى أن المساعدات يجب أن تتم بـ"توجيهها" بشكل تم فيه تجنب استعمال كلمة "تحت سيطرتها".

ثالثا، في خصوص مغزى تعيين ميتشل أشير أيضا إلى تعليق جيم لوب الذي كان أول صحفي حصل على معلومات بخصوص تعيين جورج ميتشل عوضا عن الاشاعات التي راجت عن تعيين دنيس روس في هذا الموقع. يلاحظ لوب أولا أنه مقارنة بدنيس روس المقرب بقوة من مركز "اللوبي الاسرائيلي" أي منظمة "إيباك" يبرز ميتشل بوصفه شخص تعرض للانتقاد من قبل الأخيرة. حيث اشتكى رئيس "إيباك" أبراهام فوكسمان في تصريحات مشهورة أن ميتشل "شديد الحيادية" و هو ما يعتبر أمر سلبي بالنسبة للوبي. يجب التذكير هنا أن ميتشل الذي أشرف على صياغة تقرير التقصي في أحداث انتفاضة الأقصى قد تعرض لانتقادات عنيفة من قبل مجمل الطيف السياسي الاسرائيلي عند نشر التقرير في شهر أبريل 2001 بسبب ما اعتبر أنه "مساواة بين القاتل و الضحية". النقطة الأخرى التي يشير اليها لوب هي خوصوصية موقع ميتشل و الصلاحيات الخاصة التي تم منحه إياها. حيث أشار في كلمته أن جهوده ستتصل بـ"أعلى السلطات" في إشارة الى البيت الأبيض و الرئيس تحديدا بما يتجاوز حتى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. كما أن مقارنة بين خطته و خطة المبعوث إلى باكستان و افغانستان ريتشارد هولبروك تشير إلى أن ميتشل "سيقود جهود السلام" في حين أن هولبروك "سينسق جهود السلام". و في هذا السياق حتى لو تم منح دنيس روس، كما تتناقل بعض وسائل الاعلام، موقعا في الخارجية له علاقة ما بالشرق الأوسط فإن ميتشل يبدو أنه ضمن نوعا من الصلاحيات التي تجعله في مستوى متصل مباشرة بالبيت الأبيض. يذكر لوب في هذا السياق بأن ميتشل بوصفه سيناتور قديم و ذي نفوذ كبير داخل الحزب الديمقراطي يتمتع بوضع يتجاوز أوضاع بقية البيروقراطيين في الخارجية الامريكية بما في ذلك دنيس روس و رتشارد هولبروك.

مع هذه الملاحظات الأولية يجب أن أشير إلى بعض الاستنتاجات العامة الأولية أيضا. لن تكون الادارة الجديدة موالية لقضايا العرب و المسلمين. لكن كل من راهن أو يراهن على ذلك قام بحسابات و توقعات خاطئة أصلا. الجديد حقا و الأمر الذي يحتاج الى الانتباه أن هذه الادارة واقعية إلى الحد الذي يجعلها تتفاعل مع واقع ممانعة المشروع الأميركي في المنطقة. و على سبيل المثال فإن أول امتحاناتها أي الحرب على غزة و نتائجها أبرزت أن الرئيس الجديد و إدارته لا يتمسكون بعناد بشروط أوضاع ما قبل الحرب. تمكن المقاومة الفلسطينية من الدفاع على مواقعها و عدم السماح لجيش الاحتلال الاسرائيلي باكتساح المناطق الحضرية في غزة و إجباره على وقف إطلاق نار من جانب واحد من دون تقديم تنازلات سياسية ساهمت بالتأكيد في جعل هذا الملف موضوعا مركزيا للإدارة الجديدة بعد أن كان موضوعا هامشيا أما ملفات العراق و افغانستان و إيران. و الأهم من ذلك أن الادارة الجديدة استخلصت النتائج الصحيحة من الحرب على غزة أي أنه لا يمكن إقصاء و تهميش سلطة فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة و خاصة "حماس". القبول الرسمي و على لسان الرئيس بمطلب رفع الحصار من دون شرط رجوع السلطة الفلسطينية للسيطرة على قطاع غزة يعني عمليا القبول بالتعامل مع وضع سيطرة "حماس" على القطاع من دون شرط "اعترافها بإسرائيل". ترديد أوباما لهذه النقطة أضحت مسألة خطابية أمام القبول برفع الحصار دون تغيير الوضع السياسي لغزة. هنا يجب أن أشير إلى نقطة أخرى سأتعرض إليها بالتفصيل في مناسبة قادمة و هي اتفاق "الاستبلشمانت" الخاص بالسياسة الخارجية من المقربين من الحزب الديمقراطي بما في ذلك المقربين منهم من اللوبي (روس و إنديك و هاس) في كتابات أخيرة هذا العام (بما في ذلك كتاب مشترك و مقال مشترك لإنديك و هاس في الأشهر الأخيرة) على أنه لا يمكن تجاهل "حماس" حتى لو لم تمتثل لشرط الاعتراف بإسرائيل. ملاحظة أخيرة في نفس هذا السياق بميتشل و الذي كان إنتماءه العربي (اللبناني الماروني) أحد النقاط التي تميزه عن بقية المرشحين للوساطة (جميعهم من أصول يهودية و هو ما جذب سخط بعض المحللين الأميركيين بما في ذلك كاتب الأعمدة في نيويورك تايمز الصحفي اليهودي الأميركي روجير كوهين). من المقولات الرئيسية التي لا يتوقف ميتشل عن تكرارها (بما في ذلك في مقال مشترك مع ريتشارد هاس سنة 2007) هي أنه "لا يمكن وقف حرب إذا لم تتحدث مع المشاركين فيها." و هنا تحديدا يجب تذكر التقرير الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في خضم الحرب على غزة و الذي يشير إلى عزم الادارة الجديدة الحديث سرا مع "حماس".

1 التعليقات:

Gouverneur de Normalland يقول...

ya3tik el sa77A ya tarek